قصة بعنوان النظرة الأولى

كنت في أحد الأيام جالسة مع زوجي في أحد المطاعم الراقية نتناول طعام الغداء بهدوء. كانت الأجواء جميلة والمكان يفيض بروائح الطعام الزكية والموسيقى الهادئة التي تضفي على النفس راحة لا توصف. جلست أتأمل الزبائن من حولي دون قصد إلى أن لفت نظري رجل يجلس على الطاولة المقابلة لنا.
كان رجلا وسيما أنيق الملبس ذا حضور طاغ. يجلس بصحبة فتاة يبدو من ملامحها أنها شريكته أو زوجته. لم أعره اهتماما في البداية لكن بعد لحظات بدأت ألاحظ أن نظراته تتجه نحوي أكثر من مرة. كانت نظرات طويلة عميقة تحمل شيئا من الإعجاب أو الفضول. تجاهلت الأمر في البداية احتراما لزوجي ولكن الفضول تسلل إلى داخلي بهدوء.
لاحظت أنه بين الحين والآخر يقوم بحركات خفيفة كترتيب ربطة عنقه أو تعديل أكمام قميصه وكأنه يحاول لفت الانتباه دون أن يثير الشك.
كنت أتعجب من جرأته وكيف يتمكن من فعل ذلك دون أن تلاحظ الفتاة التي تجلس معه أو حتى زوجي الجالس أمامي!
مرت الدقائق وكلما التقت نظراتنا كان هناك نوع من الرسائل الصامتة وكأن عيوننا تتحدث بلغة لا يفهمها أحد سوانا.
كنت أشعر بخفقان خفيف في صدري لا أعلم سببه ربما هو التوتر أو ربما ذلك الشعور الغريب الذي يراود النفس عندما يلتفت إليها أحد.
ومع كل نظرة كنت أشعر أن شيئا في داخلي يتغير رغم أني لم أكن أبحث عن شيء كهذا. لكن هناك لحظات تمر على الإنسان تفتح أبوابا من المشاعر لا يتوقعها.
مع مرور الوقت لاحظت نفسي أبتسم دون وعي كلما التقت نظراتنا. كنت أخشى أن ينتبه زوجي لتلك الابتسامة أو لتشتتي فحاولت التركيز في الحديث معه. لكن عقلي كان في مكان آخر وكأن هناك قوة خفية تجذبني إلى تلك الطاولة المقابلة.
تمنيت بيني وبين نفسي لو أعرف من يكون هذا الرجل ماذا يعمل ولماذا يبادلني تلك النظرات الغامضة وهل هي مجرد صدفة أم أنه يقصدها حقا
ومع هذه الأسئلة التي كانت تدور في رأسي كالإعصار بدأت أشعر بشيء من الارتباك. حاولت أن أتظاهر بالهدوء وأخذت رشفة من العصير أمامي لأخفي اضطرابي.
وفجأة تجرأت قليلا ونظرت إليه نظرة أطول فوجدته يبتسم بثقة ويرسل إشارة خفيفة بيده تشبه التحية. كانت لحظة غريبة وكأنها بداية قصة لا أحد يعرف إلى أين ستنتهي.
بعد دقائق قليلة طلبت من زوجي الإذن بالذهاب إلى الحمام. نهضت بهدوء متجهة إلى الممر المؤدي إليه لكن قبل أن أبتعد الټفت نحوه سريعا ونظرت إليه نظرة تحمل في طياتها أكثر من معنى وكأنها دعوة صامتة للحديث.
وبالفعل رأيته بعد لحظات يسير خلفي بخطوات هادئة. لم يقترب كثيرا لكنه كان يتبعني بنظراته حتى وصلت إلى باب الحمامات. الټفت لأتأكد من وجوده فوجدته هناك يقف بثقة بملامح هادئة ونظرة غريبة يصعب تفسيرها.
اقترب