قصة بعنوان النظرة الأولى


إلى البطاقة ثم إلى السماء من النافذة.
شعرت أن هناك شيئا بداخلي يدفعني بقوة وكأن القدر يريد أن يحدث هذا الاتصال.
ترددت طويلا ثم قررت أن أرسل له رسالة قصيرة فقط لأرى إن كان سيتذكرني أم لا.
كتبت
مساء الخير هل تذكرني
لم تمض دقائق حتى جاءني الرد
كيف أنساك لقد كنت أجمل صدفة مرت بي منذ وقت طويل.
تسارعت أنفاسي وشعرت بقلبي يخفق بشدة. كانت كلماته هادئة لكنها دخلت إلى أعماقي بسهولة.
بدأت بيننا محادثة قصيرة ومتحفظة. لم يكن فيها أي تجاوز أو كلمات خارجة بل كانت مجرد حديث لطيف عن الحياة عن الأماكن التي نرتادها وعن تفاصيل بسيطة.
كان كلامه موزونا لبقا يشعرني بالراحة دون أن يتجاوز حدوده.
قال لي
أعتذر إن سببت لك أي إزعاج في المطعم لكن نظراتك تلك كانت تحمل شيئا جعلني أصدق أن الأرواح تتعارف قبل أن تتلاقى.
توقفت للحظة عند كلماته وابتسمت بخفة. لم أجد ما أقول. كانت جملته تحمل شيئا من الأدب والرقي لكنها أيضا مليئة بالغموض والعاطفة.
أجبته
ربما كانت صدفة جميلة لكن يجب ألا نعطيها أكثر مما تستحق.
ابتسم عبر الهاتف وقال
أوافقك تماما ولكن بعض الصدف تترك أثرا لا يمحى بسهولة.
مرت الأيام وتكررت المحادثات القصيرة بيننا لم تكن طويلة ولم تتعد حدود الاحترام لكنها كانت كفيلة بأن تترك أثرا في نفسي.
كنت أشعر أنني أعيش صراعا بين صوت داخلي يقول توقفي وصوت آخر يدفعني للاستمرار.
وذات ليلة وبينما كنت أجلس وحيدة رن الهاتف فإذا به هو.
ترددت قليلا ثم أجبت.
سمعت صوته الهادئ يقول
لم أرد أن أزعجك لكني كنت بحاجة أن أسمع صوتك.
كانت جملته بسيطة لكنها أربكتني.
أجبته بخجل
أنا لا أحب المكالمات الطويلة يكفي أن نترك كل شيء في حدوده.
قال مبتسما
أنا أحترم ذلك فقط كنت أريد أن أتأكد أنك بخير.
كان صادقا في نبرته وهذا ما جعل قلبي يلين أكثر رغم أن عقلي كان يحاول أن يبقى يقظا.
مع مرور الأيام بدأت أشعر أنني أعيش بين عالمين.
عالم واقعي فيه زوجي وبيتي ومسؤولياتي وعالم آخر افتراضي فيه رجل لا أعرف عنه سوى صوته وكلماته التي تلمس القلب.
كنت أقول لنفسي إن الأمر لا يتعدى الإعجاب وإنني قوية بما يكفي لأضع حدودا واضحة لكن الحقيقة أنني بدأت أنتظر رسائله دون أن أشعر.
وفي كل مرة كنت أحاول الابتعاد كنت أجد نفسي أعود من جديد.
كنت أعيش حالة غريبة من الازدواجية. لا أريد أن أؤذي أحدا ولا أن أخطئ في حق نفسي أو بيتي ولكن في الوقت نفسه لم أستطع إنكار أنني وجدت في كلماته شيئا أفتقده منذ زمن الاهتمام
وفي صباح يوم مشمس وصلتني منه رسالة قصيرة غيرت كل شيء
اليوم سأغادر المدينة وقد لا نلتقي مجددا. لكني أردت أن أشكرك لأنك أضفت لونا مختلفا إلى أيامي.
وقفت أمام الرسالة وأنا أشعر بشيء من الحزن الغامض.
لم أكن أريده أن يرحل
رغم أن عقلي يقول إن في رحيله راحتي.
كتبت له
أتمنى لك التوفيق في حياتك ولا داعي لأن نكثر من الكلام يكفي