رواية خذلان الماضي مكتملة بقلم الكاتبة دودو محمد حصري علي مدونة ايام نيوز


النظر إليه بأسلوب يجمع بين القلق والحنان ثم قال بنبرة هادئة 
مالك يا راما بټعيطي ليه.
حاولت أن تمنع دموعها ولكنها كانت تتزايد أكثر مع كل لحظة وكأنها تعكس كل الألم الذي في قلبها. تكلمت بصعوبة متوسلة
ارجوك يا عمر سيبني أمشي. 
كانت الكلمات تخرج كما لو كانت نابعة من أعماق جرحها وكانت تحاول أن تظهر بمظهر القوية إلا أن صوتها خاڼها هز رأسه بالرفض وبنبرة حنونة قال 
لا يا راما مش هسيبك تمشي بالشكل ده مش هكون مطمن عليكي. 
كلماته خففت من وطأة الكآبة لكنها لم تكن كافية لتخفف من عاصفة مشاعرها. أخذت نفسا عميقا وعبرت بصعوبة 
أنت عارف سبب طلاقي إيه يا عمر 
كانت عينيها تلمعان بالرجاء أن يفهم عمق معاناتها هز رأسه بعدم معرفة وكأن السؤال لم يكن مجرد كلمات بل بوابة مفتوحة لعالم من الألم. تعالت شهقاتها وتحدثت بصوت حزين منكسر 
علشان كان بيخوني يا عمر. دخلت عليه وهو مع السكرتيرة في مكتبه ولما حاولت أغضب وأرفض الوضع ده قالي إن جوازنا كان مجرد متعة ليه وإنه اتجوزني علشان رفض يقرب مني من غير جواز. ما صدق اللي حصل ده علشان يطلقني ويخلص مني. ذلني بالفلوس اللي صرفها عليا وعلى أهلي. 
أزالت عبراتها بأناملها المرتجفة ثم قالت بصوت مخټنق من شدة البكاء 
انسى يا عمر الكلام اللي قلته واضح أني بقيت حساسة شويتين.
نظر إليها بنظرة مطولة مليئة بالقلق وكأنما بحث في عيونها عن أمل أو تفسير. ثم تذكر الفتاة التي رأها وضحك ضحكة عميقة خطفته السعادة رغم كل شيء وكاد قلبه يتوقف من شدة الضحك قال بسعادة
إنتي غيرانة عليا يا راما مش معقول!
رفعت حاجبيها إلى الأعلى وعبرت بضيق ربما لعدم قدرتها على إخفاء مشاعرها 
و و و أنا هغير عليك بصفتي إيه
اقترب منها وأمسك يدها بنعومة قال بنبرة تحمل الكثير من الشغف 
بصفتك حبيبتي يا راما... 
ثم تنهد بعدم تصديق واستمر في حديثه
أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان أوي. كل يوم أصحى من نومي على أمل أنك تحسي بحبي ليكي بس اليوم كان بيخلص وأفقد الأمل. راما اللي شفتيها فوق في المكتب دي أختي الصغيرة ومخطوبة لسيف ابن خالتي. كانت جايه لخطيبها وعدت عليا بس كده.
أرجعت شعرها خلف أذنيها مع شعور بالقلق وقالت بتوتر 
و و و أنا مالي إذا كانت أختك ولا حبيبتك على فكرة أنا مضايقتش منها أصلا!
أومأ برأسه بابتسامة مريحة وقال 
أيوه أيوه ما هو واضح أهو إنك مش فارق معاكي.
تراجعت إلى الخلف وعقدت ذراعيها على صدرها ونظرت في الاتجاه الآخر بينما وضعت في قلبها قولها بصوت متردد
متتريقش لو سمحت وفعلا انت مش فارق معايا.
أخذ نفسا عميقا وتكلم بنبرة عاشقة تحمل الكثير من الثقة 
راما أنا بحبك ومش من دلوقتي لا من أيام ما كنتي لسه في إعدادي. خطفتي قلبي بخفة دمك وجمالك. كنت مستني أنك تتخرجي وأتقدملك بس لاقيتك اشتغلتي في الشركة ومافيش كام شهر أتجوزتي. اتقهرت وقلبي انكسر بس قولت أكيد مافيش نصيب. رضيت بأمر ربنا بس مقدرتش أشوف واحده غيرك. رغم محاولات مي معايا وأميوكلهم كنت شيفهم عادي إلا أنتي بشوفك استثنائية. ولما رجعتي وعرفت من رامي أنك اطلقتي اتجدد الأمل جوايا من جديد. حسيت أن طلاقك ده عوض ربنا ليا. واخدت عهد على نفسي أني مش هفرط فيكي وأول فرصة هتيجي ليا هعترفلك بحبي وأتجوزك. هعمل كل حاجة عشان أحببك فيا والحمدلله أهي الفرصة جات وبدأتي تحبيني. علشان كده أنا بقولك أهوو هتجوزك يعني هتجوزك.
انهمرت دموعها بغزارة وحركت رأسها بالرفض وقالت 
مينفعش يا عمر صدقني مينفعش أنا مش هقدر أكرر اللي عشته تاني مش هقدر والله.
أمسك يدها وتحدث بحب قائلا بوعد 
أنا مش زيه يا راما صوابعك مش زي بعض. أنا بحبك بجد وعلشان كده عشت عمري كله مستني فرصة واحدة تقربني ليكي. يبقى بعد ده كله هكون عايز أتسلى بيكي. سيبي نفسك ليا وأنا هنسيكي كل الماضي.
ظلت تنظر له ثم تحركت بسرعة أوقفت سيارة أجرة وصعدت بها وغادرت المكان ظل يتابعها عمر بنفاذ صبر وقال بتوعد 
اهربي زي ما انتي عايزة يا راما في الآخر قلبك هيرق وهتوافقي تتجوزيني. 
ثم عاد مرة أخرى إلى الشركة لمتابعة عمله لكن خيالاته عن راما ما زالت تعصف بأفكاره ملمحا للأمل بأن مستقبلهم قد يكون مشتركا يوما ما.
الجزء السادس والاخير
بعد عدة أسابيع...
جلست راما حبيسة بغرفتها وموجات الدموع تنهمر من عينيها تشعر بشوق عميق لعمر الذي كان يمثل لها أكثر من مجرد حب بل كان هناك عالم كامل من الذكريات الجميلة واللحظات السرمدية التي شاركتها معه. لكنها أرغمت نفسها على الابتعاد حتى لا تتكرر خيبة الأمل التي تعرضت لها في الماضي وقلوبهم تبدو وكأنها تخفق بحذر كل منهما مدرك لخطۏرة الموقف ولكنهما متمسكان بالأمل. حاولت مي ووالدتها ثنيها عن قرار الابتعاد لكن كل محاولاتهما ذهبت أدراج الرياح حيث كانت راما تتمسك بموقفها وكأنها تبني جدارا بين قلبها وذكرياتها المؤلمة وصلتهم دعوة فرح من أحد أفراد العائلة في مطروح فرفضت راما الذهاب بشدة بينما لم تتمكن مي من الذهاب أيضا لاقتراب موعد ولادتها وبذلك كانت الأجواء صحراوية من الإحباط والانزعاج تجوب المكان. تركها رامي مع أخته راما وطلب منها الاعتناء بها حتى يعودوا في صباح السبت متمنيا أن يتجاوزوا هذه المحڼة الصغيرة معا فجأة دوى صوت صړاخ يأتي من غرفة مي انتفضت راما من مكانها بهلع وركضت بسرعة نحوها وكأن صوت مي كان ناقوسا ينبهها للخطړ القائم. تكلمت بصوت مرتعش ونبرة قلقة مستفسرة 
مالك يا مي پتصرخي كده ليه
بدأت مي بالبكاء وقد امتلأت عينيها بالدموع وأجابت پألم 
شكلي بولد يا راما! الطلق عندي من بليل بس كنت مفكرة إنه شوية وهيعدي زي كل مرة. مش قادرة أتحمل بمۏت ألحقيني أبوس إيدك.
ابتلعت راما ريقها بصعوبة وقالت بتوتر
حاضر حاضر! هتصل بالاسعاف.
صړخت مي پألم وقالت 
الإسعاف يومها بسنه على ما يوصلوا يكون اللي في بطني نزل اتصلي بعمر بسرعة! هو هيوصل أسرع من الإسعاف.
تعالت دقات قلب راما بالقلق أومأت برأسها بالموافقة وأمسكت هاتفها وأجرت اتصالا بينما كانت تتمنى في داخلها أن يأتي عمر سريعا كأنه الفارس المنقذ من هذا الألم. انتظرت الرد بضع ثوان معدودة قبل أن تسمع صوته المتلهف يشد انتباهها 
أخيرا راضيتي عليا وكلمتيني! وحشتيني أوى يا راما
تنحنحت بتوتر وقالت بصوت مرتعش 
أنا مش متصله علشان اللي في دماغك ده أنا متصله علشان أقولك تعال بسرعة على الشقة مي بتولد ومافيش معايا حد في البيت ومش قادرة أواجه الموقف وحدي.
أجاب بسرعة قلقة حقيقية في صوته 
مي بتولد طيب عشر دقايق بالكتير وأكون عندك.
أغلقت الخط مع عمر ونظرت إلى مي بتوتر وقالت 
عشر دقايق هيكون هنا أتحملي بس يا مي.
أمسكت مي بيدها وكانت الدموع تتجمع في عينيها وسرعان ما صړخت 
مش قادرة يا راما! الۏجع صعب أوي أاه يارب.
ربتت راما على يدها بحنو وقالت 
معلش يا حبيبتي استحملي هي الأمومة مش بالساهل كده. وبعدين ما أنتي مجربة الۏجع ده في ياسين.
أومأت مي برأسها وبكت قائلة 
عارفة والله بس الۏجع صعب أوي أوي.
ابتسمت راما بهدوء وقالت بنبرة حنونة
ربنا يجعلها ساعة سهلة عليكي يا رب.
فجأة دق جرس الباب فركضت راما وفتحته وتحدثت پخوف شديد 
ألحق يا عمر مي تعبانة أوي وبتولد.
نظر إليها بأشتياق قائلا بصوت هامس
وحشتيني أوي يا راما.
نظرت له بعدم تصديق وردت بنفاذ صبر
بذمتك ده وقته! بقولك البت بتولد جوه!!
ابتسم على كلماتها وقال 
طيب ما تدخلي! هاتيها مينفعش أدخل ومافيش رجالة جوه.
أومأت برأسها بالموافقة وتحركت إلى الداخل وساعدت مي على الحركة للخارج وكأنهما تحملان آمالا جديدة مع كل خطوة. كانت مي تصرخ پألم شديد وضحك عمر بشكل هستيري مضيفا بصعوبة 
شكلك مسخرة وانتي پتصرخي كده يا مي!
أجابت مي بصړاخ 
هولع فيك يا عمر! هطلع الۏجع اللي حاسه بي كله على جتتك!
ضحكت راما على مناغشات مي وعمر قائلة 
امشي يا بنتي أخلصي مش وقته اللي بتقوليه ده! هتولدي وانتي واقفة والله.
تحركت مي مع راما نحو الخارج وصړخت ربنا يجمعك انت وراما في بيت واحد وتطلع عينك يا عمر يا ابن عمر!
رد عمر بتمني قائلا 
يااااارب يسمع من بؤك ربنا. أول مرة تقولي حاجة صح شكلها كده مسك الختام.
ضغطت راما على أسنانها پغضب ثم ضغطت على يد مي بقوة وقالت بصوت هامس 
اتلمي يا مي ولمي الدور بدل ما أديكي يد في بطنك أزفلت منك البيبي.
استمع عمر لكلمات راما وقال بمزاح 
كتري بقى من الدعوة دي في اوضت العمليات. سمعت إن دعوات اللي بتولد بتكون مستجابة.
نظرت راما إلى عمر بضيق وقالت
متندمنيش إن سمعت كلامها واتصلت بيك يا عمر.
تعالت ضحكاته وقال 
مش البت مي دي مچنونة وطقة ودماغها مسافرة بس أول مرة تعمل حاجة صح علشان كنت هتجنن عليكي وعايز أشوفك بأي طريقة.
صړخت مي بوجههم قائلة 
انتوا هتحبوا في بعض وأنا بمۏت من الۏجع! هتولي جوزي يا رامي ألحقني من تحت أيد روميو وجولييت دوول!
ابتسمت راما على كلمات مي وساعدتها في الصعود إلى السيارة وكأن كل واحدة منهن كانت تحمل قطعة من قلب الأخرى. جلست بجوارها
بينما صعد عمر إلى المقود ونظر في مرآة السيارة إلى انعكاس صورة راما وغمز لها بعينه قبل أن يتحرك بالسيارة مسرعا إلى المشفى حيث يحمل الأمل في عبور لحظة حياة جديدة معهم.
بعد بعض وقت ولدت مي وخرجت الممرضة بابتسامة دافئة تحمل الطفل في ذراعيها وقدمت الطفل إلى راما قائلة
حمدالله على سلامة المدام جابت عريس زي القمر. 
حملت راما الطفل برفق ونظرت إليه بإعجاب وارتسمت على وجهها علامات الحنان وكأن دقات قلبها كانت تتناغم مع خفقات عواطفها الجياشة. قبلت رأسه بحنو وكأنها تحاول تقبيل عذوبة الحياة في جسده الصغير ثم قالت 
ما شاء الله جميل أوي نسخة من أبوه.
أقترب عمر منها وقبل الطفل بحب وعيناه تتلألأ بالفرح كأشعة الشمس الباكرة بعد عاصفة. نظر بحب إلى راما وهمس لها بصوت خفيض كأنه ېخاف أن تفر الهالة السحرية من حولهم 
عقبالنا لما تجيبي حتة مني ومنك. 
شعرت راما بتوتر كأنما صاعقة طائشة قد ضړبت مشاعرها الهادئة وابتسمت لممرضة كوسيلة للهرب من حديث إضافي قد يزج بها إلى حيز الشكوك. وسألت بتساؤل وبلكنة تدل على القلق
مامته عاملة إيه دلوقتي 
أجابتها الممرضة بابتسامة لطيفة وكأنها تطمئن روح راما المتوترة 
كويسة الحمد لله شوية وهتدخل اوضتها. ممكن بس البيبي علشان نجهزه وندخله لمامته وياريت والده يدفع باقي حساب المستشفى علشان يستلم الطفل ويسجله في الصحة. 
أومأت راما برأسها بتفهم لكنها كانت تشعر بأن الوزن الهائل
لتلك المسؤوليات بدأ يثقل على كاهلها فقالت 
والده جاي كمان ساعتين. 
أخذت الطفل وعادت مرة أخرى