رواية خذلان الماضي مكتملة بقلم الكاتبة دودو محمد حصري علي مدونة ايام نيوز


تذكرت تلك اللحظة التي أشترط فيها زوجها تأجيل الإنجاب وهي التي كانت تعتقد أنه يريد أن يستمتع بفرحة العيش سويا. لم يكن الأمر مجرد قرار عابر فقد كانت تحمل موانع الحمل بتلك النية وابتسمت بۏجع في قلبها وقالت 
علشان ربنا مرزقش عمته بطفل قمر زيك وبعدين أنت ابن قلبي أول ما عيني شافت.
أدخل ياسين سعادتها المفقودة في تلك اللحظة فاحتضنته ووضعته على السرير وتمدت بجواره كما لو كانت تتطلع للمشاركة في براعم الحياة والبراءة التي تملأ قلبه. كما لو أن عودتها للطفولة بين أحضانه قد تذكرها بجوانب من نفسها التي فقدتها. قالت 
يلا بقى ننام علشان أنا تعبانه أوي من السفر.
رد عليها الطفل ببراءة وقال بتساؤل 
هو انتي هتسافري تاني يا عمته
حركت رأسها بالرفض وانتابها شعور من الراحة في وجوده بينما كانت تشعر بشيء من الخۏف من فكرة مغادرة المنزل مرة أخرى. قالت بنبرة مخټنقة تعكس تداخل المشاعر 
لا يا حبيبي قاعده معاكم هنا على طول ويلا بقى نام بلاش أسأله كتير.
أغلق الطفل عينيه وبعد وقت ذهب في سبات عميق. عندما تأكدت أنه نام نهضت من جواره واتجهت إلى المرحاض حيث أخذت حماما دافئا لتغسل عن نفسها تعب اليوم ومشاعرها المتناقضة. ثم خرجت ارتدت ملابسها وتمدت بجوار الطفل. ظلت تفكر فيما حدث لها حتى غلبها النعاس وذهبت في نوم عميق في عالم من الأحلام التي تنسجها أفكارها وترتبط بأيام لم تكن تعرف فيها الألم حيث كانت ترى الأمل في كل زاوية من زوايا حياتها. 
الجزء الثاني
بعد مضي عدة شهور على الأيام العصيبة التي عاشتها راما استيقظت من نومها على صوت ياسين ابن أخيها. كان ينادي باسمها بحماس يشبه شعلة من النور محاولا أن يجعل صباحها أكثر بهجة. فتحت عينيها بصعوبة وتحسست الأحلام التي كانت تراوضها قبل أن تستيقظ ثم قالت بنعاس متصل بالمشاعر 
فيه أيه يا ياسين على الصبح كدة 
تكلم بطفولية وكأن قلبه مليء بالأمل بينما كان وجهه مليئا بالرجاء فقال بترجي 
عندي تمرين سباحة في النادي وبابا في الشغل مش هيعرف يوديني وماما تعبانه من الحمل ومش لاقي حد يوديني. بليز يا عمته قومي انتي وديني. 
هنا شعرت راما بمزيج من التعاطف والتعب ردت عليه پألم إذ شعرت بالتعب يؤثر عليها 
معلش يا ياسين مش قادرة والله تعبانه. 
أدرك ياسين ما تعانيه عمته لكن براءته دفعت به لنظرة حزن مختلطة پغضب طفولي ثم تركها وخرج من الغرفة. نظرته جعلتها تشعر بنبض القلق في قلبها. زفرت بضيق ونهضت بصعوبة من على السرير وكأن كل خطوة تتطلب جهدا كبيرا ثم دلفت إلى المرحاض لتجهيز نفسها لتحضير أيام كثيرة مليئة بالتحديات. وبعد لحظات خرجت مرتدية ملابسها وممشطة شعرها متمنية أن تبدو قوية. خرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة ياسين حيث كان يجلس على سريره بوجه عابس يحمل أحمال العالم على كاهله. تحركت نحوه وجلست بجواره محاولة تنقله من عالم الحزن إلى عالم الفرح وقالت بمزاح 
ينفع كده يعني أجهز وحضرتك لسه مجهزتش 
نظر لها بضيق وتكلم پغضب طفولي 
مش رايح خلاص يا عمته جهزتي نفسك على الفاضي. 
لم تستطع راما إلا أن تضحك على براءته نظرت له بابتسامة مازحة ثم بدأت تدغدغ فيه وكأنها تعيد الحياة إلى روح الصغير وتكلمت بمزاح 
ما هو لو مجهزتش نفسك حالا هفضل أزغزغ فيك كده لحد ما تقول حقي برقبتي.
تعالت ضحكات الطفل بسعادة وكأنها أكدت له أن الحياة تستحق العيش وتكلم بصعوبة 
خلاااص يا عمته هجهز والله إحنا آسفين يا صلاح. 
احتضنته بحب وكان ذلك الحضن يحمل معاني كثيرة وقالت بابتسامة حنونة 
حبيب قلب عمته يلا يا بطل ربع ساعة والاقيك جاهز فاهم. 
ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها وجدت والدتها تجلس على الأريكة تنظر إلى الفراغ بركنية ملامحها. جلست بجوارها وكأنها ترغب في العودة إلى تلك الأوقات البسيطة وقالت بابتسامة 
قاعدة كده ليه يا سمسمه بس 
ابتسمت لها بحزن وكأن حياتها حقيبة مثقلة بالأفكار وقالت 
قاعدة يا بنتي هعمل إيه بس مافيش حاجة ورايا. 
وضعت رأسها على كتف والدتها وكأنها تبحث عن الأمان وقالت 
يا ستي فرفشي كده وسبيها على ربنا. 
ربتت والدتها على يدها وتكلمت بنبرة حنونة 
ونعم بالله يا حبيبتي ربنا يسعد قلبك ويرزقك بأبن الحلال اللي يعوض صبرك خير. 
زفرت راما بضيق وكأنها تتوسل وتكلمت بصوت مخټنق بترجي 
أبوس إيدك يا ماما بلاش كلام في الموضوع ده مش كل يوم تتكلمي فيه. شيلي الفكرة دي من دماغك علشان أنا عمري ما هفكر في الجواز تاني. 
وفى ذلك الوقت خرج ياسين من الغرفة كنسمة بهجة وقال 
خلصت يا عمته يلا بينا. 
يلا يا حبيب عمته. 
هبطوا إلى الأسفل حيث أوقفت سيارة أجرة كان السائق يتطلع إليهم بابتسامة لطيفة واتجهوا إلى النادي. نظرت سامية إلى أثرهم وكأنها تخشى أن تفوتها لحظة من لحظات الحياة وتكلمت بدعاء 
ربنا يرزقك بأبن الحلال اللي يسعدك ويفرح قلبك يا بنتي يارب.
بعد وقت وصلت راما ومعها ياسين إلى النادي ودلفوا إلى الداخل. ترك الطفل مكانه ليتجهز لتمرينه بينما ظلت راما تتأمل حولها بتوتر وكأن أعين الناس تخترقها. تراجعت إلى الوراء بعض الشيء لكنها اصطدمت بشيء صلب مما جعلها تنتفض في مكانها. استدارت سريعا وقالت بأسف
ا ا انا اسفه مقصدش والله.
ابتسم الرجل الذي اصطدمت به بهدوء وقال بنبرة رجولية
حصل خير يا مدام راما.
نظرت له باستغراب وسألته بتساؤل 
هو حضرتك تعرفني!
أومأ برأسه بالتأكيد وقال بتوضيح
أيوه أنا عمر صاحب رامي ومي من أيام الجامعة.
استمرت في تحديد النظر إليه بتمعن ثم قالت بأسف
سوري مش فاكره حضرتك عن إذنك.
بعد ذلك تركته وتحركت بسرعة من أمامه. شعر عمر بالدهشة عندما رأى ملامح القلق تجتاح وجه راما وكأنها ټغرق في دوامة من الذكريات المحرجة. نظر عمر إلى أثرها بتعجب ثم توجه إلى الداخل بعد لحظات جلست راما تتابع ياسين خلال التمرين وتفاجأت عندما اكتشفت أن هذا الشاب هو من يمرن ابن أخيها. كان ياسين يتنقل بخفة بين الحواجز كل حركة تملؤها الطاقة والحماس. ظلت تبتسم بسعادة هي ترى ياسين سعيدا وهو يتمرن ولوح لها بيده لتقترب منه. حركت رأسها بالرفض لكنه أصر على ذلك. نهضت من مقعدها واقتربت منه وتحدثت بتساؤل
عايز أيه يا ياسين
أجابها ببراءة الأطفال وقال بسعادة
أيه رأيك فيا النهاردة كنت شاطر
مالت بجسدها وقبلته بابتسامة دافئة وقالت
ابن قلبي شطور ومافيش منه اتنين لسه بدري
حرك كتفيه بعدم معرفة وقال
مش عارف اسألي كابتن عمر.
أومأت برأسها وتحركت نحو المدرب وسألته بتردد
لو سمحت ياسين خلص ولا لسه
أجابها بتوضيح
أيوه خلاص كده ممكن يروح يغير هدومه. ولو كده استنوا أوصلكم على سكتي وبالمرة أشوف الواطي رامي بقاله فترة مش بيسأل عليا.
تنهدت بضيق لكنها ابتسمت له برفق وقالت
أنا آسفة حضرتك مش بركب عربيات مع حد غريب تقدر تتواصل مع صاحبك براحتك عن إذنك.
ثم تركته وأمسكت يد ياسين وتحركت به نحو غرفة تبديل الملابس. انتظرت بالخارج حتى انتهى وخرج لها ثم انطلقوا إلى خارج النادي. أوقفوا سيارة أجرة وعادوا إلى المنزل.
في المساء
تجمعت العائلة حول طاولة الطعام حيث خيم الصمت على المكان كما لو كان يحيطهم بسحابة من الكأبه. كسر رامي هذا الصمت بنظرة تجاه راما وسأل بفضول 
هو انتي قابلتي عمر صاحبي النهاردة
أومأت راما برأسها بالإيجاب رغم أن عينيها حملتا بعض الضيق ثم أجابت 
اممم روحت النهارده تمرين السباحة مع ياسين وخبط فيه بس أنا معرفتهوش الصراحة هو اللي عرفني على نفسه. وقالي إنه صاحبك وكمان أتفاجئت إنه المدرب بتاع ابنك. ولما خلص عرض عليا يوصلنا بس أنا رفضت. 
ابتسمت مي زوجة رامي وقالت بحماسة 
عمر ده ما شاء الله عليه أدب إيه وأخلاق ميختلفش عليه اتنين وشاطر أوي في شغله الصبح وفي شغلة بليل في النادي. 
نظرت إليها راما بعدم اهتمام مما خلق جوا من التوتر وردت بتهكم 
مالك يا أختي كأنك بتخطبي ليه اهدي شويه على نفسك وانتي بقيتي شبه القنبلة كده. 
ردت مي بضيق محاولة الدفاع عنه 
تصدقي إنك مش وش نعمة! ده شاب طول بعرض رياضي وقمور وذكي والبنات كلها ھتموت عليه. طيب ده أنا جبتله عرايس أشكال وألوان وهو اللي رافض فكرة الجواز. 
زفرت راما بضيق وتحدثت بصوت مخټنق 
اديكي قولتي بنات يا مي مش واحدة مطلقة. وأنا أصلا عمري ما هفكر أكرر التجربة دي تاني. ياريت تهدي شويه أنتي وماما وبلاش شغل رايا وسکينة ده علشان مش هينفع معايا... 
ثم استقامت بجسدها وقالت بضيق 
الحمدلله شبعت. تصبحوا على خير.
تحدث رامي باستغراب 
ايه ده هتنامي من دلوقتي يا راما لسه بدري. خليكي قاعدة معانا شويه. 
حركت رأسها بالرفض وأجابت بۏجع 
لا يا رامي مصدعة شوية وعايزة أنام.
تركتهم وتوجهت إلى غرفتها بينما نظر رامي إلى أثرها بحزن وعاد بنظره إلى زوجته بضيق. ثم قال بصوت غاضب 
عجبك كده فيها ايه لو تحطي لسانك في بوقك شوية هي كانت قاعدة على قلبك ما تسبيها براحتها. وبعدين انتي بتتكلمي نيابة عن عمر ليه هو قالك إنه معجب بيها
رفضت مي ذلك وبتوضيح قالت 
آه يا رامي قاعدة على قلبي ومتربعة كمان. راما أختي وبحبها ونفسي ربنا يرزقها براجل بجد يعوضها عن اللي شافته مع زفت الطين ده وكمان عمر شاب ميتعوضش. قولت أجس نبضها هي الأول لو وافقت قولت أكلمه عليها. 
أغلق رامي عينيه حتى يهدأ قليلا ثم قال پغضب 
انتي عارفة لو مبطلتيش كلامك المستفز ده هوديكي بيت أهلك لحد ما لسانك يعرف يفكر في الكلام قبل ما ينطقه.
تحدث والده بنفاذ صبر 
كفاية خناق منك ليها وكملوا أكلكم وانتوا ساكتين. 
نظر رامي إلى مي بضيق ثم نهض من مقعده وقال پغضب 
شبعت الحمدلله. عن إذنكم... 
أنهى كلامه وتحرك تجاه غرفته. نظرت مي إلى سامية بتوتر ثم نهضت وقالت 
الحمدلله شبعت عن إذنكم. 
وتركتهم وتوجهت خلف رامي إلى الغرفة دلفت إلى الداخل وجلست بجواره وقالت بأسف 
أنا آسفة مقصدش والله أزعل راما. أنا نفسي ربنا يرزقها براجل بجد يعوضها عن الحزن اللي شافته بس والله العظيم هو ده اللي أقصده. 
نظر إليها بضيق وقال 
فيه فرق بين أنك تتمني الخير لحد وانك انتي تسمي بدنه طول الوقت. ده يدوب لسه مخلصه العدة بتاعتها من كام يوم وخارجة من تجربة صعبة. نهدا عليها بقى شويه اللى فيها مكفيها. أنا عارف أنك عبيطة واللي بتقوليه ده كلام ماما. 
نظرت له بتوتر وأوضحت 
حتى لو كلام ماما
ما هي عايزة مصلحتها وتشوفها سعيدة. راما بقت شبه الوردة الدبلانة يا رامي نفسنا ترجع تاني زي الأول نفسنا ضحكتها ترجع تترسم تاني على وشها. 
أخذها داخل أحضانه وقبل رأسها بحب وتنهد حزنا وقال بتمني 
إن شاء الله هترجع أحسن من الأول. بس هي مسألة وقت مش أكتر. 
تمسكت به بقوة وقالت بابتسامة
حنونة 
إن شاء الله