بعد خمس سنوات من تركي لزوجتي


زواج تحول إلى معركة صامتة لا رابح فيها.
ثم خطرت في ذهني روان.
وللمرة الأولى فهمت الحقيقة كاملة.
لقد كانت العدالة تسير نحوي ببطء طوال هذه السنوات.
ليست عدالة درامية.
وليست معجزة.
بل نتيجة طبيعية لكل ما فعلته.
لقد تركت مريم لأنني اعتبرت الفقر إهانة.
واعتبرت المال ضمانًا للسعادة.
لكن المال لم يمنحني يومًا ما منحته لي تلك الفتاة البسيطة.
لم يمنحني الأمان.
ولا الوفاء.
ولا الراحة.
ولا ذلك الشعور النادر بأن هناك شخصًا يحبك لذاتك، لا لما تملكه.
في تلك اللحظة أدركت حقيقة لم أفهمها إلا بعد فوات الأوان
لا توجد ثروة في العالم تستطيع أن تعوض غياب الحنان.
لا يوجد اسم عائلة مرموق يستطيع أن يمنحك الدفء عندما تعود إلى سرير يخلو من المودة.
ولا يوجد منصب إداري مهما ارتفع شأنه يجعل العودة كل ليلة إلى بيتٍ خالٍ من الحب أمرًا محتملًا.
ولا توجد ثروة قادرة على تعويض شعور الإنسان بأنه مجرد وسيلة ما دام نافعًا، ثم يصبح بلا قيمة عندما تنتهي فائدته.
وبينما كنت أبكي، أدركت حقيقة أشد إيلامًا من كل ما سبق.
طارق لم يكن الرجل الذي فاز بمريم.
لم ينتزعها من أحد.
ولم يهزم منافسًا.
كل ما في الأمر أنه رآها كما هي.
رأى قيمتها.
ورأى قلبها.
ورأى الإنسان الجميل الذي عجزت أنا عن رؤيته رغم كل السنوات التي قضيتها معها.
وهذا وحده كان كافيًا.
بل كان أكثر مما استطعت أنا فعله يومًا.
لا أعرف كم من الوقت بقيت جالسًا داخل السيارة.
ربما عشر دقائق.
وربما نصف ساعة كاملة.
كانت أصوات الحفل تصلني متقطعة كلما تحركت الرياح.
سمعت التصفيق.
ثم الضحكات.
ثم أصوات الكؤوس وهي ترتفع احتفالًا.
وربما في تلك اللحظة تحديدًا...
كانا قد أصبحا زوجين.
مسحت وجهي بطرف سترتي.
وحاولت تشغيل السيارة.
لكن يدي المرتجفتين لم تساعداني حتى على إدارة المفتاح من المحاولة الأولى.
وفجأة...
سمعت طرقًا خفيفًا على نافذة السيارة.
رفعت رأسي.
وكان طارق يقف هناك.
ترددت للحظة قبل أن أخفض النافذة قليلًا.
لم أكن أعرف ماذا يريد.
هل جاء ليطردني؟
أم ليسخر مني؟
أم ليقول تلك العبارات المثالية التي تزيد الألم بدل أن تخففه؟
لكنّه لم يفعل شيئًا من ذلك.
مد يده عبر الفتحة الصغيرة في النافذة.
وكان يحمل شيئًا أعرفه جيدًا.
بطاقة قديمة مغطاة بآثار الغبار.
البطاقة نفسها.
البطاقة التي أعطاني إياها قبل سنوات طويلة.
حدقت فيها غير مصدق.
ثم سمعته يقول بهدوء
كانت داخل محفظتك عندما ساعدتك في تلك الليلة. سقطت منك لاحقًا في إحدى محطات الوقود أثناء سفرك. احتفظت بها منذ ذلك الوقت.
ثم أضاف
شعرت يومها أنك ستحتاج إلى قراءتها مرة أخرى في يوم من الأيام.
مد البطاقة نحوي.
لكنني لم أستطع أخذها فورًا.
قلت بصوت متحشرج
ولماذا تعيدها إليّ الآن؟
نظر إليّ طارق.
لم تكن في عينيه قسۏة.
ولا شماتة.
ولا رغبة في الانتصار.
فقط ذلك الهدوء نفسه الذي عرفته منذ سنوات.
ثم قال
لأنك أخيرًا فهمت معناها.
أخذت البطاقة بيد مرتجفة.
ونظرت إلى العبارة المكتوبة بالحبر الأزرق الذي بهت مع الزمن
أحيانًا لا نصل إلى القاع لكي نهلك... بل لكي نعرف من الذي يقف بجانبنا حقًا.
أطلقت ضحكة مکسورة خرجت أقرب إلى البكاء.
ثم قلت
لقد فات الأوان.
هزّ رأسه ببطء.
وقال
بالنسبة لبعض الأشياء... نعم.
ثم ساد الصمت بيننا.
صمت ثقيل.
لكنه كان أصدق من آلاف الكلمات التي سمعتها طوال حياتي.
لم يحاول مواساتي.
ولم يقل إن الفرصة ما زالت قائمة.
ولم يحدثني عن البدايات الجديدة.
ولم يردد تلك العبارات الجميلة التي يستخدمها الناس أحيانًا حتى لا يتركوا الآخرين وحدهم أمام أخطائهم.
بل اكتفى بالنظر إليّ للحظة، ثم قال
لكن ما زال بإمكانك أن تتوقف عن أن تكون الرجل الذي خسرها.
ثم استدار وغادر.
جلست أراقبه وهو يعود إلى الحديقة.
إلى المكان الذي كانت مريم تنتظره فيه.
بين الأضواء الدافئة.
والورود البسيطة.
والوجوه التي جاءت لتشاركهما الفرح بصدق.
وما إن وصل إليها حتى أمسكت بيده.
اقترب منها وهمس بشيء في أذنها.
فابتسمت.
تلك الابتسامة