بعد خمس سنوات من تركي لزوجتي


كلماتها لا تؤثر فيّ.
لكنها كانت تحطمني من الداخل.
قدت سيارتي وأنا غارق في ڠضبي ومرارتي، ولم أكن أرى الطريق بوضوح.
وفجأة فقدت السيطرة على السيارة واصطدمت بحاجز إسمنتي على جانب الطريق.
أتذكر أنني حاولت الخروج مترنحًا.
كنت غاضبًا من العالم كله.
غاضبًا من زوجتي.
ومن عملي.
ومن نفسي.
وكنت مستعدًا لإلقاء اللوم حتى على الطريق نفسه.
عندها ظهر هو.
لم يكن يرتدي بدلة رسمية.
ولا يبدو كشخص ذي مكانة أو نفوذ.
كان يرتدي ملابس عمل بسيطة، وقد غطى الغبار آثار التعب على وجهه.
أمسكني قبل أن أسقط أرضًا.
ثم قال بهدوء
تمهّل يا أخي... إذا كنت مصرًا على ټدمير حياتك، فلا تجعل شخصًا بريئًا يدفع الثمن معك.
لا أعرف لماذا ضايقتني كلماته في تلك اللحظة.
ربما لأنها كانت الحقيقة التي كنت أهرب منها منذ سنوات.
كان بإمكانه أن يسخر مني.
أو يتركني وحدي.
لكنه لم يفعل.
أجلسني على الرصيف.
وأحضر لي زجاجة ماء من متجر قريب.
وظل بجانبي حتى هدأت تمامًا.
وعندما وصلت سيارة السحب، ساعدني على ركوب سيارة أجرة ليعود كل منا إلى طريقه.
وقبل أن يغادر، وضع شيئًا صغيرًا في جيب سترتي دون أن أنتبه.
في صباح اليوم التالي، بينما كنت أفرغ محتويات جيبي، وجدت بطاقة عمل قديمة تحمل اسمه.
وكانت عليها عبارة مكتوبة بقلم أزرق
أحيانًا لا نصل إلى القاع لكي نهلك... بل لكي نعرف من الذي يقف بجانبنا حقًا.
لم أعرف يومًا لماذا احتفظت بتلك البطاقة.
ربما لأن طارق كان، وسط كل الأشخاص المزيفين الذين مروا في حياتي، الشخص الوحيد الذي لم يعاملني وكأنني مهم، ولم يعاملني أيضًا وكأنني شخص حقېر.
لقد عاملني ببساطة كإنسان ما زالت أمامه فرصة ليختار طريقه.
والآن...
كان يقف هناك.
مرتديًا ثياب العريس.
إلى جانب مريم.
مريم التي كانت يومًا زوجتي.
لا...
لم تعد كذلك.
لقد أصبحت المرأة التي تخلصت منها بيدي، وكأنها مجرد مرحلة مؤقتة في

طريقي نحو النجاح.
رفع طارق رأسه ونظر نحوي.
وأدركت من النظرة الأولى أنه تعرف عليّ.
رأيت ذلك في التوتر الخفيف الذي ارتسم على ملامحه.
لكنه لم يبتسم.
ولم يحاول استعراض انتصاره.
ولم يرمقني بنظرة شماتة.
بل نظر إليّ بنفس الهدوء الذي رأيته في تلك الليلة قبل عامين.
الهدوء نفسه الذي كنت أكرهه لأنّه كان يكشف حقيقتي.
وفي تلك اللحظة...
فهمت كل شيء.
فهمت كل ما منعني غروري من رؤيته طوال السنوات الماضية.
لم تتزوج مريم رجلًا فقيرًا.
بل تزوجت رجلًا حقيقيًا.
رجلًا يعرف معنى الكرامة.
رجلًا لا يختبئ خلف اسم عائلة نافذة.
ولا خلف حساب مصرفي ضخم.
ولا خلف بدلة باهظة الثمن توهم الناس بالنجاح.
نعم، كان يعمل بيديه.
لكنّه لم يكن ليستخدم امرأة يومًا كدرجة يصعد عليها.
شعرت بغصة حادة ترتفع في حلقي.
كان الضيوف يبتسمون ويتبادلون الأحاديث ويجلسون في مقاعدهم البلاستيكية البيضاء، غير مدركين أنني كنت على وشك الاڼهيار في وسط ذلك المكان البسيط.
وفي الخلفية بدأت الأضواء المعلقة بين الأشجار تشتعل مع اقتراب الغروب.
كان الهواء يحمل رائحة التراب الرطب.
ورائحة الأزهار.
ورائحة الطعام الذي أعدته العائلة بنفسها.
كل شيء كان بسيطًا.
وكل شيء كان حقيقيًا.
أما أنا...
فوقفت هناك بسترتي الباهظة وحذائي الإيطالي الذي التصق به طين الممر الترابي.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
رأيت نفسي كما أنا حقًا.
شخصًا مثيرًا للشفقة.
وفي تلك اللحظة خرجت مريم من المنزل.
كانت ترتدي فستان زفاف أبيض بسيطًا.
بلا تطريز مبالغ فيه.
ولا أحجار لامعة.
ولا أي محاولة لجذب الأنظار.
كان فستانًا متواضعًا وأنيقًا في الوقت نفسه.
لكنها لم تكن جميلة بسبب الفستان.
كانت جميلة بسبب السعادة التي تملأ وجهها.
وهنا بالذات...
ټحطم شيء داخلي.
لأن تلك السعادة لم يكن لها أي علاقة بي.
لم تكن سعادة امرأة تحاول إثبات أنها اختارت جيدًا بعد تجربة مؤلمة.
ولم تكن سعادة شخص يريد أن يثير غيرة من تركه.
بل كانت شيئًا أعمق من ذلك بكثير.
كانت طمأنينة.
وسکينة.
وراحة إنسان توقف أخيرًا عن