بعد خمس سنوات من تركي لزوجتي


مطاردة الأشخاص الذين يجعلونه يشعر بأنه أقل مما يستحق.
التقت أعيننا.
ورأيت اللحظة نفسها التي تعرفت فيها عليّ.
لم ترتبك.
ولم تخف.
ولم يتغير لون وجهها.
توقفت لثانية واحدة فقط.
ثم واصلت سيرها نحو طارق.
وكأنني أصبحت أخيرًا ما كنت عليه طوال السنوات الماضية ورفضت الاعتراف به
مجرد ماضٍ انتهى.
كان مقدم الحفل يتحدث، لكنني لم أسمع كلمة واحدة.
كان صوت دقات قلبي أعلى من كل شيء.
وشعرت بيدٍ تلامس ذراعي.
الټفت فوجدت صديقي القديم، الشخص نفسه الذي أخبرني بخبر الزفاف.
قال بقلق
ياسر... هل أنت بخير؟
لكنني لم أستطع الإجابة.
في تلك اللحظة مدّ طارق يده إلى مريم ليساعدها على النزول من الدرجة الصغيرة المؤدية إلى الحديقة.
فوضعت يدها في يده بثقة كاملة.
بكل بساطة.
وبكل اطمئنان.
ذلك النوع من الأمان الذي لا يمكن أن تمنحه امرأة لرجل إلا إذا كانت تعرف في أعماقها أنه لن يسخر منها يومًا.
ولن يخذلها.
ولن يستبدلها عندما يجد فرصة أفضل.
وعندها...
اجتاحتني الذكريات دفعة واحدة.
تذكرت مريم وهي تحضر لي القهوة أثناء أيام الامتحانات في الجامعة.
تذكرت انتظارها الطويل أمام المكتبة حتى أنتهي من الدراسة.
تذكرت السندويشات البسيطة التي كانت تلفها لي في المناديل لأنها كانت تعرف أنني أتجاوز وجباتي أحيانًا لأوفر المال.
تذكرت يوم كانت تجلس على طرف سريري في السكن الجامعي تخيط زرًا سقط من قميصي قبل مقابلة عمل مهمة، بينما كنت أتدرب أمام المرآة على الإجابات التي سأقولها.
تذكرت أول عقد كبير حصلت عليه في حياتي المهنية.
يومها لم أكن أنا الوحيد الذي فرح.
لقد بكت مريم من شدة السعادة.
بكت وكأن النجاح نجاحها هي.
وكأن الحلم حلمها هي أيضًا.
ثم...
تذكرت اليوم الذي تركتها فيه.
تذكرت نظرتها عندما أخبرتها أنني أحتاج إلى امرأة تتناسب أكثر مع مستقبلي.
لم تصرخ.
ولم ټشتم.
ولم تحاول إذلالي.
كانت تنظر إليّ فقط.
بنظرة لن أنساها ما حييت.
نظرة إنسان اكتشف فجأة أن الشخص الذي أحبه لم يكن يرى قلبه أبدًا.
ولم أكن صادقًا معها حتى في لحظة الرحيل.
لم أخبرها يومًا أنني كنت أخجل من بساطتها.
لم أقل لها إنني كنت أرى أن العالم اللامع الذي أحلم به أكبر من أن يتسع لفتاة مثلها.
ولم أعترف لها بأن طموحي كان أقوى من وفائي.
لكنها لم تتوسل إليّ أن أبقى.
وهذا ما أزعجني أكثر من أي شيء آخر في ذلك الوقت.
كل ما فعلته أنها نظرت إليّ وسألت بهدوء
وماذا عن كل ما بنيناه معًا؟ هل أصبح بلا قيمة؟
أما أنا...
فأجبتها بكلمات لا أزال أخجل من تذكرها.
قلت شيئًا عن أن الحب لا يدفع الفواتير.
وقلت أشياء صغيرة وبائسة وقاسېة.
أشياء ينطق بها الأشخاص الذين يحاولون تبرير خيانتهم لأنفسهم.
والآن...
ها أنا أقف بعد سنوات طويلة أشاهد رجلًا آخر يحصل على الشيء نفسه الذي احتقرته يومًا لأنه لم يكن مغلفًا بالمال والمكانة الاجتماعية.
كان طارق ينظر إلى مريم وكأن ضجيج العالم كله يتلاشى عندما تكون بقربه.
وكانت مريم تبتسم له.
ابتسامة هادئة.
صادقة.
مليئة بالطمأنينة.
عندها استدرت.
لم أعد قادرًا على البقاء.
لم أستطع احتمال ثانية إضافية أمام تلك الحقيقة النقية.
بدأت أسير بسرعة نحو سيارتي.
خلفي كانت أصوات الحاضرين تختلط بضحكاتهم.
ثم بدأت موسيقى الزفاف الهادئة تعلو شيئًا فشيئًا.
سمعت صديقي يناديني مرتين.
لكنني لم ألتفت.
كانت عيناي تحترقان.
وحلقي يؤلمني.
وشعرت بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدري.
وصلت إلى سيارتي.
فتحت الباب.
وجلست خلف المقود.
وعندها...
انهرت.
بكيت.
لم يكن بكاءً هادئًا أو متماسكًا.
ولم يكن بكاء رجل يحاول الحفاظ على ما تبقى من كبريائه.
بكيت وأنا منحنٍ فوق المقود.
بكيت حتى شعرت أن أنفاسي تتقطع.
وضړبت المقود بيدي مرات عديدة وكأنني أحاول تحطيم السنوات التي أضعتها بقراراتي.
بكيت من أجل مريم.
لكنني بكيت أكثر من أجل نفسي.
بكيت على الرجل الذي أصبحت عليه.
على الحياة التي استبدلتها بحياة أخرى مليئة بالمكاتب الفاخرة والعشاءات الباردة والوجوه

الخالية من المودة.
وعلى