بعد خمس سنوات من تركي لزوجتي

بعد خمس سنوات من تركي لزوجتي ، علمت أنها ستتزوج عامل بناء بسيطًا. ظننت أنني سأشعر بالشفقة عليها عندما أراها، فقررت حضور حفل الزفاف بنفسي. لكن كل ما كنت أؤمن به انهار في ثانية واحدة، ففي اللحظة التي رأيت فيها العريس، استدرت على الفور واڼفجرت باكيًا من شدة الألم.
اسمي ياسر، أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وأعيش في البصرة.
خلال سنوات دراستي في جامعة البصرة، وقعت في حب مريم. كانت فتاة طيبة القلب، رقيقة المشاعر، تضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها دائمًا. كانت تعمل بدوام جزئي في مكتبة الجامعة لتساعد أسرتها، بينما كنت أنا طالبًا طموحًا في كلية الاقتصاد، أؤمن أن مستقبلًا استثنائيًا ينتظرني.
بعد التخرج، حصلت على وظيفة في شركة دولية مرموقة، براتب مرتفع ومكتب فاخر. أما مريم، فعلى الرغم من اجتهادها ومحاولاتها المتكررة، لم تتمكن من العثور إلا على وظيفة موظفة استقبال في فندق صغير.
وفي أحد الأيام قلت لنفسي
أنا أستحق أفضل من هذه الحياة.
تركتها ببرود وقسۏة لم أدرك فداحتهما إلا بعد سنوات. ومع مرور الوقت، تحولت تلك الذكرى إلى مصدر دائم للاشمئزاز من نفسي.
أما المرأة التي اخترتها لتكون بديلًا عنها، فكانت روان، ابنة المدير العام للشركة؛ ثرية، أنيقة، ومغرورة إلى حد بعيد.
أما مريم...
فلم تقل شيئًا.
التزمت الصمت، بينما كانت تبكي بعيدًا عن أعين الناس.
كنت أعتقد آنذاك أنني على وشك بدء الفصل المثالي من حياتي.
لكن الحقيقة أن تلك اللحظة كانت بداية كل ما فقدته لاحقًا.
بعد خمس سنوات، أصبحت نائب مدير المبيعات في الشركة. كان لدي مكتبي الخاص، وسيارة BMW، وراتب يحسدني عليه كثيرون.
لكنني لم أكن سعيدًا.
كان زواجي من روان أشبه بعقد لا يمكنني الفوز فيه أبدًا.
كانت تحتقر أصولي المتواضعة، وكلما أغضبها أمر ما، كانت تردد بلهجة جارحة
لولا والدي، لكنت ما زلت مجرد مندوب مبيعات بائس.
كنت أعيش داخل منزلي كأنني ظل لرجل آخر.
لا راحة.
لا احترام.
ولا شعور بالانتماء.
إلى أن جاء يوم كنت أحضر فيه إحدى المناسبات الاجتماعية، حين اقترب مني صديق قديم وقال
ياسر، هل تتذكر مريم؟
رفعت رأسي نحوه بسرعة.
وقلت
نعم، ماذا عنها؟
ابتسم وقال
ستتزوج قريبًا.
اعتدلت في جلستي فورًا.
ستتزوج؟ ومن هو العريس؟
أجاب
عامل بناء بسيط. فقير جدًا، لكن الجميع يقول إنها سعيدة معه إلى أبعد حد.
أطلقت ضحكة ساخرة وقلت
سعيدة مع رجل فقير؟ يبدو أنها لم تعرف يومًا كيف تختار الشخص المناسب.
ومنذ تلك اللحظة، قررت أن أذهب إلى حفل الزفاف.
لم أذهب لأهنئها.
ولم أذهب لأشاركها فرحتها.
بل ذهبت لأستهزئ بخيارها.
أردتها أن ترى الرجل الناجح الذي أصبحت عليه.
الرجل الذي أحبته يومًا ثم خسرته.
في يوم الزفاف، قدت سيارتي نحو بلدة صغيرة تقع في أطراف البصرة، حيث كانت مريم تعيش الآن.
أقيم الحفل في حديقة منزل العائلة.
كانت الأشجار مزينة بسلاسل من الأضواء الدافئة، وانتشرت الطاولات الخشبية في أرجاء المكان، بينما أضفت الزهور الطبيعية لمسة من البساطة والجمال.
ترجلت من سيارتي الفاخرة.
سويت سترتي الأنيقة.
وسرت بخطوات واثقة يملؤها الغرور.
الټفت بعض الحاضرين نحوي، فشعرت للحظة أنني أنتمي إلى عالم مختلف عن عالمهم.
عالم أكثر رقيًا.
وأكثر نجاحًا.
ثم رفعت بصري نحو منصة العرس.
ورأيت العريس.
في تلك اللحظة...
توقف قلبي.
ليس لأنّه كان رجلًا فقيرًا.
ولا لأنّه كان يرتدي بدلة بسيطة.
ولا لأنّ يديه كانتا خَشِنتين من سنوات العمل في البناء وحمل الإسمنت والحديد.
لقد توقف قلبي لأنني كنت أعرفه مسبقًا.
كان اسمه طارق.
الرجل نفسه الذي أنقذ حياتي قبل عامين.
في تلك الليلة، كنت قد خرجت من إحدى المناسبات وأنا في حالة سيئة للغاية. كانت روان قد أهانتني أمام عدد من معارفها، وقالت بصوت مرتفع
لولا والدي لما أصبحت شيئًا يُذكر.
وكعادتي، تظاهرت بأن