بعد الطلاق حكايات زهرة


يوم ما جيت إسكندرية ماليش حد بعد ربنا. هو اللي شال معايا في مصاريف الولادة والمستشفى لما أنت كنت بتعمل صفقات بالملايين!
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. حازم مش جوزها! هي متجوزتش! حسيت براحة غريبة، بس الراحة دي مامتتش الۏجع اللي في قلبي من كلامها. أنا كنت ندل.. ندل أوي.
طب وليه مقلتليش بعد ما ولدتي؟ ليه مسجتليش رسالة؟ سألتها وصوتي بيرتعش.
أقول لمين؟ للشخص اللي رماني ومسألش عليا تلات سنين؟ أنت مكلفتش نفسك ترفع سماعة التليفون تطمن أنا عايشة ولا مېتة، جاية دلوقتي تفتكر إن عندك عيال؟ ندى شاورت على الباب اتفضل برة يا شريف. عيالي ملهمش أب. أبوهم ماټ من تلات سنين يوم ما مضى القسيمة وجري على شركته.
مش هتمشي يا ندى! قلتها وأنا بقعد على الكنبة بتحدي، بس تحدي مغلف بالرجاء أنا مش هتحرك من هنا غير وعيالي في حضڼي، وأنتِ معاهم. أنا ندمان.. ندمان على كل لحظة تعالت فيها عليكي. ندمان على كل دمعة نزلت من عينك بسبب أمي وبسببي. أنا مستعد أصلح كل حاجة. هكتبلك الشقة والفيلا باسمك، وهعمل للعيال حسابات في البنك بأرقام متحلش، بس ارجعي معايا.
ندى بصت لي بنظرة شفقة كسرتني أكتر من الزعيق
أنت لسه زي ما أنت.. فاكر إن كل حاجة بتتصلح بالفلوس. الشقة، الفيلا، حسابات البنك.. هي دي الحاجات اللي بتفكر فيها؟ يحيى وفاطمة مش محتاجين فلوسك، محتاجين أمان، وأنت مابتديش أمان لحد يا شريف.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالراحة، وخرج حازم وهو ماسك إيد البنت الصغيرة، فاطمة. البنت كانت بتبص لي پخوف ومستخبية ورا رجله.
حازم بص لي وقال بهدوء
شريف بيه، الكلام الكتير ملوش لزمة. ندى عاشت أيام يعلم بيها ربنا. اشتغلت في حضانة واشتغلت مطرزة عشان تصرف على نفسها وعلى عيالها وم تمدش إيدها لحد، وعمرها ما طلبت مليم.

لو أنت فعلاً عايز مصلحة العيال دي، سيبهم في هدوء. بلاش تدمر حياتهم المستقرة بكبريائك.
أنا مكنتش سامع حازم.. عيني كانت على فاطمة. نزلت على ركبي على الأرض، ومديت إيدي ليها وبأصعب نبرة صوت طلعت مني قلت
فاطمة.. تعالي يا حبيبتي.
البنت بصت لأمها، ندى غمضت عينيها والدموع نزلت على خدها، بس مهزتش راسها بالرفض. البنت خطت خطوة صغيرة ناحيتي، عيونها كانت بتكتشف وشي. لما قربت، سحبتها في حضڼي.. الحضن ده كان فيه تمن تلات سنين من الحرمان والۏجع. ريحتها كانت جنة. بكيت لأول مرة من يوم ما بقيت راجل.. بكيت ودموعي بلت شعرها الصغير.
يحيى خرج هو كمان وجري على أخته، لميتهم هما الاتنين في حضڼي، وكنت حاسس إن الدنيا كلها ملكي في اللحظة دي، وكل ملاييني وشركاتي متسواش ضحكة واحدة من ضحكاتهم.
رفعت عيني لندى وأنا لسه على الأرض وحاضن العيال
ندى.. عشان خاطر العيال دول، اديني فرصة تانية. أنا مش هجبرك ترجعيلي علطول. أنا هقعد هنا في إسكندرية، هأجر شقة في نفس الشارع. هشوفهم كل يوم، وهثبتلك إني اتغيرت. مش هسيب عيالي يتربوا بعيد عني، ومش هسيبك تشيلي الحمل لوحدك تاني.
ندى مسحت دموعها بسرعة وقالت بنبرة حازمة بس كان فيها حتة من اللين اللي عرفته فيها زمان
العيال هيفضلوا معايا، وحياتهم هنا مش هتتغير. لو عايز تشوفهم، الحدود واضحة يا شريف. مفيش دخول للبيت هنا طول ما أنت غريب عني. هتشوفهم في النادي أو في مكان عام. والزمن هو اللي هيثبت لو كنت فعلاً ندمان.. ولا دي مجرد ثورة كبرياء تانية عشان في حاجة طلعت مش تحت
سيطرتك.
قمت وقفت، وبصيت للعيال وبستهم من راسهم. حسيت إن المشوار طويل، وإن ال 1300 كلمة اللي كنت محتاج أقولهم لندى عشان أعتذر مش هكفوا. بس دي كانت أول خطوة في طريق الرجوع.
خرجت من الشقة وأنا حاسس إن الهوا لأول مرة يدخل صدري بجد. ركبت عربيتي، وقبل ما أدور المحرك، تليفوني رن. كانت أمي، الحاجة نادية.
رديت عليها وصوتي كان قوي، ملوش علاقة بالشريف الضعيف اللي كان جوة
أيوة يا أمي.
إيه يا شريف يا حبيبي، مجيتش ليه؟ البنت وفاء وأمها مستنيينك.
أنا في إسكندرية يا أمي، ومش جاي.
إسكندرية؟ بتعمل إيه هناك في وقت زي ده؟
بصلح الغلط اللي عملناه زمان يا أمي.. أنا عندي ولد وبنت من ندى، وعمري ما هسيبهم ولا هسيب أمهم تاني.
قفلت، السكة قبل ما أسمع ردها، ودورت العربية. مكنتش راجع القاهرة.. أنا كنت هبدأ حياتي من هنا، من المحطة اللي سبت فيها قلب يترمي في الغربة لوحده، وجه الوقت إني أكون السند اللي يستحقوه.