اخويا كان بياخد ابويا كل شهر


ومسكت إيده.
بصلي بعينيه التعبانين وقال
إنتِ زعلانة ليه يا ماما؟
الدموع نزلت مني ڠصب عني.
حضنت إيده وبستها.
ولا حاجة يا بابا خلاص.
هو ماكانش فاهم اللي بيحصل.
لكن كان حاسس إن في ۏجع.
والۏجع عمره ما بيستخبى عن الآباء
حتى لو الذاكرة راحت.
الظباط أخدوا سامح.
وهو خارج
لف بصلي بكره عمري ما شفته في عين حد.
شبعتي تشهير؟!
بصيتله بثبات.
أنا لسه بدأت أحميه.
بعد ما مشي
البنك رجع هادي تدريجيًا.
بس في حاجة كانت اتغيرت.
الناس اللي كانت واقفة بدأت تبص لأبويا بحزن واحترام.
راجل كبير قرب مني وقال
ربنا يباركلك يا بنتي قليلين اللي بيقفوا لأهلهم كده.
ابتسمت بالعافية.
لأن الحقيقة؟
أنا كنت متأخرة.
كان المفروض أحميه من زمان.
وأنا خارجة من البنك، وقفت أظبط بلوفره البني.
لقيت نص البسكوتة لسه في جيبه.
شلتها وضحكت وسط دموعي.
لسه مخبيها يا حاج؟
ابتسم الطفل الصغير اللي بقى ساكن جواه وقال
لسه المدرسة ماخلصتش.
قلبي وجعني جدًا.
أبويا اللي كان بيشيلنا كلنا
بقى تايه بين الأزمنة.
لكن حتى وهو ناسي الدنيا
أنا ماكنتش هسمح لحد يسرق آخر كرامة فاضلة له.
بعدها بشهر
نقلت المعاش على حساب تحت إشرافي المباشر.
وجبتله كرسي جديد مريح.
وكل يوم الصبح قبل ما أنزل الشغل
أقعد معاه نشرب شاي سوا.
أوقات يعرفني.
وأوقات يفتكرني أمه.
وأوقات يسأل عن القطر.
لكن في مرة
وأنا بلبسه الجاكت، بصلي فجأة بتركيز غريب، كأن الغشاوة راحت ثانية.
وقال
إنتِ سندي يا نادية.
وانا وقتها
عيطت أكتر من يوم البنك كله.
بعد قضية البنك
سامح اختفى فترة.
ناس قالت سافر.
ناس قالت مستخبي عند صحابه.
وناس قالت إنه بيلف يحاول يلم فلوس للمحامي.
لكن الحقيقة؟
ولا واحدة من دول كانت فارقة معايا.
أنا كان كل همّي إن أبويا يصحى الصبح يلاقي حد يعرف اسمه حتى لو هو نفسه ناسيه.
الأيام بقت ماشية بنظام ثابت.
أصحى الفجر.
أجهز الفطار.
أدي بابا دواه.
أوصيه على الست اللي بتقعد معاه.
وأجري على المخبز.
وأرجع آخر اليوم ألاقيه مستنيني بنفس السؤال تقريبًا
النهارده الخميس؟
أو
أمك راحت السوق؟
وأوقات
يبصلي ويسأل
إنتِ مين؟
وكان السؤال ده بېقتلني كل مرة كأنه أول مرة.
لكنّي كنت بابتسم وأقوله
أنا نادية يا بابا.
فيه أيام كان بيهز راسه عادي.
وفيه أيام
كان يبصلي باعتذار غريب كأنه حاسس إنه ناسي حاجة مهمة.
بعد حوالي شهرين
الباب خبط بالليل.
فتحت
ولقيت سامح.
واقف لوحده.
من غير البرفان الغالي.
ولا الساعة.
ولا الصوت العالي.
كان شكله متبهدل بشكل صعب حتى أكرهه.
دقنه طالعة.
عينيه غرقانة سهر.
وإيده فيها كيس صغير.
فضل واقف ساكت ثواني.
ثم قال
ممكن أشوفه؟
بصيتله طويل.
جزء جوايا كان نفسه يقفل الباب في وشه.
لكن جزء تاني
افتكر إن أبويا رغم كل حاجة، كان بيحب ابنه.
دخل من غير كلام.
أول ما شاف أبويا، وقف مكانه.
الحاج محمود كان نايم على الكنبة، البطانية على رجله، والتلفزيون شغال بصوت واطي على فيلم أبيض وأسود.
سامح قرب ببطء.
وقعد على الأرض جنب الكنبة.
فضل يبصله فترة طويلة جدًا.
وبعدين فجأة
بدأ يعيط.
مش دموع هادية.
اڼهيار كامل.
أنا آسف يا بابا
صوته كان طالع من حتة مکسورة جواه.
والله ما كنت أقصد أوصل لكده.
وقفت بعيد ساكتة.
لأن الاعتذار المتأخر موجع
بس أوقات بيكون حقيقي.
سامح طلع من الكيس جزمة قديمة.
جزمة السكة الحديد البنية بتاعة أبويا.
اللي كان محتفظ