رميتُ أبي خارج مطعمي أمام الزبائن… ثم اكتشفتُ في اليوم التالي أنه باع أرضه بخمسة عشر مليار دينار


مرة لم تؤلمني الجملة كما توقعت.
قلت
البارحة أخرجتني تحت المطر. جربت أن أكون وحدي وأنتم قريبون مني. الأمر ليس مخيفًا كما تظن.
اقتربت ريم وهي تبكي.
يابا، سامحني. أخطأت. كنت متوترة. زوجي طبقي جدًا، وأنت تعرف كيف يفكر.
قلت
وأنت تركت ابنتك تظن أن جدها هو الرجل الذي يجلب الخضار.
وضعت يدها على فمها.
أستطيع أن أشرح لها.
قلت
لا. ستعلّمينها. هذا مختلف.
أخذ سامر أوراقه.
الأمر لن ينتهي هنا.
قلت
لا. سينتهي بشكل أفضل.
خرجوا واحدًا تلو الآخر.
سامر أولًا، بخطوات محكمة.
ثم ريم، وهي ټنهار نصف اڼهيار.
ثم كريم أخيرًا، دون أن يأخذ الحذاء.
وعندما أغلق الباب، ساد الصمت في مكتب الكاتب بالعدل.
وضعت زينب كيس الخبز فوق الطاولة.
عمي يوسف لم يكن عليك أن تفعل هذا.
قلت
كان عليّ.
أنا لست ابنتك.
قلت
لا. ولهذا لم تتصرفي يومًا كأنني مدين لكِ بشيء.
امتلأت عيناها بالدموع.
سيكرهونني.
قلت
هم يكرهون كل من لا يخدم مصالحهم.
تنحنح الأستاذ ناظم، متظاهرًا بمراجعة الأوراق ليمنحنا بعض الهواء.
فتحت كيس الخبز.
كان فيه خبز حار وكعك بسيط وقطعة حلوى أحبها.
سألتها
جلبتِ القطعة التي أحبها؟
مسحت زينب دموعها.
نعم لأنها المفضلة عندك.
كسرت الخبز بيدي.
ولأول مرة منذ وصولي إلى بغداد، استطعت أن أبتلع.
كانت الأيام التالية جحيمًا أنيقًا.
حاول سامر إيقاف الصندوق الائتماني بحجة عدم أهليتي.
طلب تقارير.
واتصل بأطباء.
وبحث عن أقارب بعيدين.
حتى حاول تقديم صور لي بملابس الفلاحين كدليل على تدهور حالتي العقلية.
لم يضحك القاضي، لأن القضاة لا ينبغي أن يضحكوا.
لكن الأستاذ ناظم أخبرني أنه رفع حاجبه.
ذهبت ريم إلى برامج إذاعية تقول إن ممرضة طامعة غسلت عقل والدها.
لم تذكر غرفة الغسيل.
ولم تذكر الحساء البارد.
ولم تذكر أنني سمعت مكالمتها.
أما كريم فنشر على مواقع التواصل صورة قديمة تجمعني به يوم افتتاح المطعم.
وكتب
أبي مصدر إلهامي.
وضع الناس قلوبًا وتعليقات.
لم أعلّق.
أرسل الأستاذ ناظم رسالة بسيطة
يرجى إزالة صورة عمي يوسف المستخدمة لأغراض تجارية دون موافقته.
حذفها خلال عشرين دقيقة.
ثم جاء الأسوأ.
أحفادي.
جاء سامر بأولاده إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه، وأوقفهم أمامي وكأنهم شهود في محكمة.
قال
قل لهم يا أبي. قل لهم إنك لم تعد تحبهم.
نظر إليّ حفيدي الأكبر، ديار، وكان في الثالثة عشرة، بحيرة.
انحنيت بصعوبة.
قلت
أنا أحبكم منذ قبل أن أعرف وجوهكم. لذلك مدرستكم مضمونة، ومالكم أيضًا. لن يأخذه أحد منكم. حتى والدكم.
شد سامر أسنانه.
نظر إليه ديار.
وتغيّر شيء في عينيه.
الأطفال أطفال، لكنهم ليسوا حمقى.
أرسلت ريم تسجيلات صوتية وهي تبكي.
وأرسل كريم زهورًا.
وأرسل سامر تهديدات قانونية.
أما زينب، فلم ترسل شيئًا.
كانت تأتي بعد مناوباتها، تقيس ضغطي، وتحضر لي مرق دجاج، وتسألني
اليوم مشيت لو لا؟
أقول
شوي.
لا تكذب عليّ يا عمي يوسف.
ربع المسافة.
غدًا نصفها.
هكذا بدأت حياتي الجديدة.
ليس بالترف.
بل بالعلاج الطبيعي.
وبالمحامين.
وبالقهوة بلا سكر.
وبفتاة ليست من دمي تخبرني أنني لا أستطيع أكل الخبز الحلو كل يوم، حتى لو كنت أملك خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار.
افتُتحت المؤسسة بعد ستة أشهر في قرية بابل.
لم نقم حفلًا للأغنياء.
أقمنا طعامًا في ساحة المدرسة.
رز.
ولحم.
وشاي.
وكراسٍ بلاستيكية.
واسم مريم العزاوي على لافتة بيضاء.
كانت أول المنح لاثني عشر شابًا وشابة أبناء فلاحين، وفتاة تريد أن تصبح طبيبة
بيطرية، وولد يمشي ساعة ونصفًا ليصل إلى المدرسة.
واشترينا سيارة لنقل الأطباء إلى القرى البعيدة.
وأعدنا تأهيل النبع القديم.
ليس للشركة الاستثمارية.
بل للقرية.
وعندما سألني مدير الشركة لماذا لم أحتفظ بكل المال لنفسي، قلت
لأن الأرض لم تعلمني أن أخزن. علمتني أن أوزع البذور.
لم يفهم.
ولم يكن مهمًا أن يفهم.
جاء أولادي.
طبعًا جاءوا.
وصل سامر بنظارات سوداء ووجه رجل تطارده أطماعه.
وأحضرت ريم أحفادي، هذه المرة من المدخل الرئيسي للساحة.
أما كريم فارتدى وجه النادم، وعرض أن يتبرع بالطعام، لكنه فقد حماسه عندما عرف أنه لن تكون هناك صور صحفية.
لم أطردهم.
يتعلم الأب متأخرًا أن وضع الحدود لا يعني دائمًا إغلاق الباب.
أحيانًا