رميتُ أبي خارج مطعمي أمام الزبائن… ثم اكتشفتُ في اليوم التالي أنه باع أرضه بخمسة عشر مليار دينار


لم أعرف هل كان ذلك خجلًا أم حسابًا.
نظر الأستاذ ناظم إلى كريم.
السيد كريم حصل على رأس مال لافتتاح المطعم، وأجرة لمدة ثمانية عشر شهرًا، وتحويلات لاحقة غير موثقة. كما أن جزءًا من المحل مرتبط بسند يحمل توقيع عمي يوسف، والتوقيع قيد الفحص.
نهض كريم.
هذا كڈب!
قلت له
اجلس.
قال بعصبية
لا تحچي وياي كأني عامل عندك.
آلمني كلامه.
ليس لأجلي.
بل لأجل كل الرجال الذين عملوا معي يومًا تحت الشمس، بأيدٍ متشققة من حمل الأكياس، دون أن يهينوا أحدًا.
قلت
العامل الشريف يساوي أكثر من ابن ناكر.
أراد كريم الرد، لكن زينب تكلمت للمرة الأولى.
عمي يوسف لم يأتِ ليعاقبكم. جاء ليرى إن كان بقي أحد.
نظر إليها الثلاثة بكراهية.
انكمشت قليلًا، لكنها لم تخفض رأسها.
قالت
أنا رأيته في الكراج. كان محمومًا. اتصل بي لأنه لا يريد أن ينام على الكرسي. كنت في المناوبة، لكنني ذهبت إليه. أحضرت له خبزًا لأنني أعرف أنه حين يحزن لا يأكل.
لم يقل أولادي شيئًا.
لأن أحدًا منهم لم يكن يعرف هذا.
لم يكن أحد منهم يعرف كيف أشرب القهوة.
ولا أنني منذ ماټت أمهم لم أعد أنام على الجهة اليمنى من السرير.
ولا أن ركبتي اليسرى تؤلمني قبل المطر.
زينب كانت تعرف.
ليس لأنها تتقاضى أجرًا.
بل لأنها كانت تتصل.
ناولني الأستاذ ناظم ورقة أخرى.
عمي يوسف، قبل التوقيع يجب أن أسألك مرة أخرى هل تؤكد رغبتك في تعيين زينب حسين مديرة رئيسية لمؤسسة مريم العزاوي، ومستفيدة جزئية من الصندوق الشخصي،
وفق الشروط المذكورة؟
نهض سامر.
هذا تلاعب. هي استغلت رجلًا وحيدًا.
وقفت زينب أيضًا.
أنا لا أريد ماله.
قالت ريم بحدة
طبعًا تريدين. كل الذباب يأتي عندما يشم العسل.
شحُب وجه زينب.
أغلقت الملف ببطء.
كفى.
لم يكن صوتي عاليًا.
لكنه كان الصوت نفسه الذي أوقفت به ثورًا عند السياج يومًا.
صمتوا جميعًا.
قلت
زينب لم تطلب مني شيئًا. أبدًا. عندما ماټ أبوها، ساعدتها لأنه كان صديقي. وهي ردّت ذلك برعاية أمها حتى آخر يوم. ثم ذهبت لتدرس التمريض. لم تطلب مني دينارًا واحدًا. عندما لم أكن أستطيع ركوب الحافلة، كانت ترسل لي الدواء. عندما أنتم لا تردون، كانت ترد. عندما مرضت، هي من اتصلت بطبيب القرية. عندما سقط سقف المخزن، هي من أحضرت الشباب. وعندما ماټت أمكم، كانت الوحيدة التي بقيت ترفع الكراسي بعد العزاء.
احټرقت عيناي.
وأنتم أخذتم أواني الطعام ورحلتم.
نظر كريم إلى الأرض.
وبكت ريم أكثر.
وشدّ سامر أسنانه.
إذًا قررت؟ ستحرمنا من الميراث بسبب اختبار سخيف؟
نظرت إليه طويلًا.
لم يكن سخيفًا. كان كريمًا. أعطيتكم فرصة أن تعاملوا الرجل الفقير الذي تظنونني إياه بكرامة. لم تستطيعوا حتى ليلة واحدة.
خفض سامر صوته.
يابا، فكر. نحن أولادك.
قلت
هذا ما ظننته طوال حياتي.
أمسكت القلم.
هذه المرة لم أتردد.
وقّعت.
يوسف العزاوي.
خرج خطي مائلًا، لكنه كان ثابتًا.
أطلقت ريم شهقة بكاء.
وشتم كريم بصوت منخفض.
أما سامر فبقي ينظر إلى التوقيع كأنه يستطيع محوه بالڠضب.
وضع الأستاذ ناظم الختم.
كان صوت المعدن فوق الورق كأنه باب يُغلق.
قال
تم تثبيت الإجراءات رسميًا.
مال سامر نحوي.
ستندم.
تقدمت زينب خطوة.
لا تتكلم معه هكذا.
ضحك سامر.
والآن صرتِ أنتِ البنت الصالحة؟
قالت
لا. أنا فقط التي لم تتركه تحت المطر.
نهضت ببطء.
آلمتني ركبتي، لكنني لم أطلب مساعدة.
قلت
لم أترككم بلا شيء.
نظر إليّ الثلاثة.
عاد الأمل إلى وجوههم مثل كلب جائع.
قلت
كل واحد منكم سيحصل على مبلغ شهري يكفيه للعيش دون رفاهية إن احتاج فعلًا. أولادكم تعليمهم مضمون. ديونكم الشخصية لن تُدفع. أعمالكم لن تُنقذ. بطاقاتكم لن تُسدد. وإذا حاولتم رفع دعوى أو التزوير أو الضغط أو الاقتراب من زينب، تُفعّل بند الحرمان الكامل.
نظر إليّ سامر بكراهية صافية.
هذا كتبه شخص أراد إهانتنا.
قال الأستاذ ناظم
لا. كتبه شخص يعرفكم جيدًا.
ركل كريم علبة الحذاء.
ستبقى وحدك أيها العجوز.
نظرت إليه.
ولأول