زوجي كان يضع لي السمّ كل ليلة… وفي الساعة 2:47 فجرًا اكتشفت أنني لست زوجته أصلًا!


دون أن تعرف.
في الداخل، كان كل شيء مغطى بأقمشة بيضاء.
كان الغبار يرقص في ضوء الصباح.
وفي غرفة الجلوس كان هناك تلفاز قديم، وطاولة، ودراجة حمراء صدئة.
رأيتها فانهرت.
تذكرت أبي وهو يضحك.
تذكرت يديه الملطختين بالشحم.
تذكرته يناديني يراعة لأنني كنت أركض في الحوش عند الغروب.
ثم سمعت تصفيقًا بطيئًا.
خرج كريم من الممر.
كان شعره مبعثرًا، وقميصه ملطخًا، ويده ملفوفة بضماد.
لم يكن يحمل سلاحًا.
كان يحمل جهاز تسجيل صوتي.
قال
مرحبًا بعودتكِ إلى البيت.
وجّه رجال الأمن أسلحتهم نحوه.
انبطح أرضًا!
ابتسم كريم.
إذا أطلقتم الڼار، فلن تعرف أبدًا أين النسخة الأخيرة.
تقدمت الرائد هالة خطوة.
أي نسخة؟
نظر إليّ وحدي.
ذاكرتكِ يا نور. الجلسات. ما اكتشفه والدكِ. ما صړخت به أمكِ في الحريق. كل شيء هنا.
رفع جهاز التسجيل.
خطوت خطوة إلى الأمام.
هذه ليست ذاكرتي.
رمش كريم.
بالطبع هي. أنتِ ما تتذكرينه.
هززت رأسي.
لا. أنا أيضًا ما حدث لي، وما اخترت أن أفعله بعده.
تشققت ابتسامته قليلًا.
من دوني، لم تكوني لتوجدي.
قلت
من دونك، كنت سأعيش.
شدّ كريم قبضته على جهاز التسجيل.
ولأول مرة رأيت الخۏف في عينيه.
لم يكن خوفًا من السچن.
كان خوفًا من أن يصبح بلا أهمية.
خوفًا من أن تقف تجربته أمامه، وتتوقف عن طلب الإذن كي تتنفس.
اندفع نحو النافذة.
أسقطه أحد العناصر أرضًا.
وقع جهاز التسجيل وانفتح.
لم يكن بداخله شريط.
كان بداخله بطاقة ذاكرة صغيرة.
التقطتها الرائد هالة بقفازات.
صړخ كريم باسمي المزيف
ليلى!
لم ألتفت.
صړخ بالاسم الآخر
نور!
ولم ألتفت لذلك أيضًا.
لأنني لم أعد بحاجة إلى طاعة أي اسم منهما لأعرف من أكون.
استغرقت المحاكمة أشهرًا.
شهدت ثلاث مرات.
وشهدت أمي مرتين.
وقدمت رنا الرسائل، والتسجيلات، والبث المباشر من تلك الليلة.
وتحدث كاتب العدل لتخفيف حكمه.
أما سهام، فحاولت أن تلقي اللوم على ابنها، ثم على زوجها المېت، ثم عليّ.
قالت إنني غير مستقرة.
طلب القاضي الهدوء عندما ضحكت بصوت عالٍ.
لم تكن ضحكة سعيدة.
كانت ضحكة امرأة اتهموها بالجنون لأنها بدأت ترى قضبان قفصها.
لم يخفض كريم عينيه أبدًا.
حتى وهو مقيد اليدين، ظل يصحح للخبراء كلامهم، ويستخدم مصطلحات طبية طويلة، متظاهرًا بأن رعبه كان علمًا.
لكن حين شغّلوا تسجيل الغرفة البيضاء، بدا صوته صغيرًا
أنا أقتل ليلى كل ليلة منذ عامين.
هناك انتهى الطبيب.
وبقي المچرم فقط.
استعادة حياتي لم تكن مثل الأفلام.
لم أفتح عينيّ فجأة لأتذكر كل شيء.
بعض الأيام كنت أستيقظ ولا أعرف في أي عام نحن.
وفي أيام أخرى كنت أشتاق إلى كريم، ثم أتقيأ من الذنب لأنني اشتقت إليه، حتى شرحت لي معالجتي أن الجسد يعتاد القفص أيضًا.
عدت إلى الجامعة الأردنية بعد أشهر.
مشيت في الحرم الجامعي، أمي على ذراعي ورنا على ذراعي الأخرى.
وقفت أمام مبنى المكتبة، ونظرت إلى الأعمدة الحجرية كأن أحدًا لصق الزمن المكسور على جدار ضخم.
كنت أنا كذلك.
قطعًا.
لكنها ما زالت متماسكة.
بعد عام، ناقشت رسالتي.
لم تكن عن الذاكرة كما كان كريم يريد.
كانت عن الهوية، والعڼف النفسي، والآليات التي يتعلم من خلالها الضحېة أن يشك في نفسه.
جلست أمي في الصف الأول.
أما رنا، فكانت تبكي قبل أن أبدأ أصلًا.
وعندما انتهيت، سألني أحد الأساتذة
بأي اسم تريدين تسجيل شهادتك؟
نظرت إلى النموذج.
ليلى الشامي كان اسمًا صنعته كڈبة.
لكنه كان أيضًا اسم المرأة التي تظاهرت بابتلاع الحبة.
والمرأة التي أخفت الهاتف داخل كيس الأرز.
والمرأة التي فتحت عينيها فوق السرير الطبي.
أما نور الحسيني، فكانت الأصل.
الفتاة ذات الدراجة الحمراء.
الابنة التي عادت.
أمسكت القلم وكتبت
نور ليلى الحسيني الشامي.
بعد ذلك ذهبنا إلى بيت عمّان القديمة.
بدأت أمي تفتحه شيئًا فشيئًا.
ليس كي نعيش فيه فورًا.
بل كي يتوقف عن كونه متحفًا للألم.
زرعنا جهنميات جديدة في الحوش.
طليْنا المطبخ باللون الأصفر.
وعلّقت الدراجة الحمراء على الجدار، لا كذكرى حزينة، بل كدليل.
في
أحد الأيام، وجدت صندوقًا فيه صورة لي في الخامسة عشرة، أرتدي الزي نفسه الذي رأيته في حقيبة سهام.
وعلى ظهر الصورة كتب أبي
عندما تشكين في نفسكِ يومًا، تذكري أنكِ كنتِ دائمًا نورًا.
جلست على الأرض وبكيت حتى جاءت أمي تبحث عني.
لم تقل انتهى كل شيء الآن.
لأنه لم ينتهِ تمامًا.
احتضنتني فقط وقالت
أنتِ هنا.
وكان ذلك، على الأقل، حقيقة.
كرر كريم لعامين كاملين أن أثق به.
أما الآن، فأنا أثق بأشياء أخرى.
بنفسي حين أشعر أن شيئًا ما ليس صحيحًا.
بأصدقاء يصرون على الاطمئنان.
بأمهات ينجون من الحرائق.
وبالملاحظات التي تتركها لنفسك عندما لا تمتلك بعد القوة الكافية للهروب.
أحيانًا، في الليل، أستيقظ عند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا.
أنظر إلى الباب.
أتوقع أن أرى قفازات، وكاميرا، ودفترًا أسود.
لكن لا يكون هناك سوى غرفتي، وكتبي، وكأس ماء صببته لنفسي.
عندها أشعل الضوء.
أمسك قلمًا.
وأكتب اسمي كاملًا مرة واحدة
نور ليلى الحسيني الشامي.
ثم أعود إلى النوم.
ليس لأن أحدًا خدّرني.
بل لأن ذاكرتي، أخيرًا، لم تعد ملكًا لأحد سواي.