أرضعتُ طفل زوجي السابق بعدما ټوفيت زوجته أثناء الولادة


مرة منذ دخوله رأيتُ الخۏف الحقيقي داخله.
ليس خوف رجل فقد زوجته فقط.
بل خوف إنسان أصبح مسؤولًا عن روح صغيرة لا يعرف كيف ينقذها.
تنهدتُ ببطء.
ثم قلت
اذهب توضأ.
رفع رأسه نحوي باستغراب.
ماذا؟
شكلك لم تصلِّ منذ أيام.
ظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم نهض بصمت واتجه نحو الحمام الصغير قرب المطبخ.
بقيتُ وحدي مع الطفل.
مددتُ إصبعي نحوه.
وفورًا أمسكت يده الصغيرة بإصبعي بقوة مفاجئة.
وهنا
انكسر شيء داخلي بالكامل.
بدأتُ أبكي بصمت.
ليس لأنني أحببته بل لأن جسدي لم يفهم بعد أن طه رحل.
كل ليلة منذ دفنه كنتُ أستيقظ مذعورة لأنني أسمع بكاء طفل.
أفتح عيني بسرعة.
أحدّق في سقف الغرفة المظلم.
ثم أتذكر السرير فارغ.
والغطاء مطوي.
ولا أحد هناك.
حتى الحليب الذي كان يتسرّب مني ليلًا
كنتُ أقف بسببه طويلًا تحت الماء وأبكي وحدي حتى الفجر.
عاد مأمون بعد دقائق.
كان وجهه مبللًا بالماء.
ورائحة الصابون الشعبي الرخيص خرجت معه.
توقف حين رآني أبكي.
اقترب ببطء وقال
مريم
أشحتُ بوجهي فورًا.
لا أريده أن يراني ضعيفة.
ليس هو.
جلس بعيدًا وقال بصوت خاڤت
هل تعرفين ما أكثر شيء أخافني بعد مۏت ست البنات؟
لم أجب.
لكنه أكمل
بعد الډفن رجعت البيت وحدي بعد صلاة المغرب وسمعت بكاءه من داخل الغرفة.
رفع رأسه نحوي لأول مرة.
والله يا مريم شعرتُ وقتها أن البيت بلا روح.
ساد الصمت بيننا طويلًا.
ثم نهض فجأة وقال
سأغادر.
لكنه توقف قرب الباب وأضاف بصوت متردد
هل يمكنني أن آتي غدًا بعد العصر فقط حتى يرضع؟
نظرتُ نحوه.
ثم نحو الطفل.
ثم نحو سرير طه الصغير في زاوية الغرفة.
لم أُجبه فورًا.
ظللتُ أنظر إلى الطفل النائم فوق البطانية الصغيرة، بينما صوت المطر بالخارج يضرب شبابيك البيت القديمة كأنه يذكّرني بأن الليل ما زال طويلًا.
ثم قلتُ أخيرًا بصوتٍ متعب
بعد العصر فقط.
أغمض مأمون عينيه للحظة، وكأنني أنقذتُه من الڠرق.
ثم حمل الطفل بحذر شديد، كما لو أنه يخشى أن ينكسر بين يديه.
وقبل

أن يفتح الباب، الټفت نحوي وقال
جزاكِ الله خيرًا يا مريم.
لكنني لم أرد.
كنتُ قد تعبت من الكلمات منذ ماټ طه.
خرج مأمون أخيرًا.
وعاد البيت إلى صمته القديم.
ذلك الصمت الذي يشبه بيت عزاء انتهى الناس من مغادرته منذ ساعات، لكن الحزن ما زال جالسًا في الأركان.
وقفتُ وحدي وسط الغرفة.
ثم نظرتُ نحو الكنبة التي كان الطفل نائمًا عليها قبل دقائق.
كانت البطانية ما تزال هناك.
صغيرة.
دافئة.
اقتربتُ منها ببطء، وحين رفعتها إلى وجهي، وصلتني رائحة الحليب.
وهنا انهرت.
جلستُ على الأرض أبكي بصمت، أضم البطانية إلى صدري كأنها طفل حقيقي.
في اليوم التالي، استيقظتُ قبل أذان الفجر بقليل.
كعادتي منذ مۏت طه.
النوم صار شيئًا غريبًا عني.
أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الشروق، أحدّق في سقف الغرفة وأتخيل كيف كان سيبدو وهو يكبر.
هل كان سيشبهني؟
أم يشبه عادل؟
هل كان سيضحك كثيرًا؟
هل كان سيحب صوت المطر؟
أسئلة بلا إجابات.
قمتُ بهدوء.
أشعلتُ موقد الغاز الصغير في المطبخ، ووضعتُ براد الشاي.
رائحة الهيل بدأت تملأ البيت.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، سمعتُ صوت أذان الفجر يخرج من مسجد الحي.
ذلك الصوت وحده كان يمنعني من الاڼهيار الكامل أحيانًا.
بعد الصلاة، جلستُ قرب نافذة الصالة أراقب الشارع الضيق.
نساء يحملن أكياس الخبز الساخن. بائع الفول يدفع عربته ببطء.
وأطفال يركضون بزيّ المدرسة وهم يضحكون.
الحياة في الخرطوم لا تتوقف حتى لو انكسر قلبك.
وهذا أكثر ما كان يوجعني.
كيف ېموت طفل
ثم تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟
جاء مأمون بعد العصر تمامًا.
كان يحمل الطفل بيد، وكيسًا صغيرًا باليد الأخرى.
ترددتُ قبل أن أفتح الباب.
لكن الطفل بدأ يبكي فور رؤيتي، كأنه عرف المكان.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
ثم مدّ الكيس نحوي.
أمي أرسلت لكِ قراصة وويكة.
نظرتُ إليه باستغراب.
قال بسرعة
قالت لا يصح أن نأتي كل يوم ويدنا فارغة.
للحظة شعرتُ بالخجل من نفسي.
الحاجة آمنة كانت دائمًا طيبة معي،