قصه حقيقيه في مصر


لتعلمها أن الحياة يمكن أن تكون هادئة. فيه كتب موضوعة على رفوف حقيقية لا أوراق ممزقة تلتقط من القمامة. فيه طعام دافئ لا يؤكل على عجل ولا يقسم على وجبات مجهولة. فيه غرفة تخصها وحدها لها باب يغلق من الداخل لا لتحبس نفسها بل لتشعر بالأمان. غرفة لها نافذة تطل على الضوء ضوء الصباح الذي يدخل دون خوف وضوء المساء الذي لا يعني الخطړ.
لم تتبن بدافع الشفقة
ولا بدافع الصورة التي ترضي الضمير أمام الناس
ولا بدافع الامتنان المؤقت الذي يخبو مع الوقت.
بل بدافع العدالة.
عدالة تقول إن من أنقذ حياة يستحق أن تنقذ حياته.
وإن من تحمل ما لا يفترض بطفل أن يتحمله يستحق فرصة جديدة كاملة لا نصف فرصة.
ومرت السنوات.
لم تمر دفعة واحدة بل يوما بعد يوم خطوة بعد خطوة. كبرت صوفيا وكبر التوائم معها. لم يكبروا منفصلين بل متجاورين يشتركون في الذكريات وفي القصص وفي ذلك الخيط الخفي الذي لا يرى لكنه يشدهم بعضهم إلى بعض.
وفي يوم ما كانت تمشي في الحديقة نفسها.
لم تعد تلك الطفلة ذات الأحذية الممزقة واليدين المرتجفتين. كانت مراهقة بخطوات واثقة وظهر مستقيم ونظرة لا تبحث عن إذن لتوجد. كان التوائم يركضون من حولها يضحكون يتعثرون ينهضون وينادونها بلا تردد بلا شرح بلا سؤال
أختنا.
وفي تلك اللحظة لم يكن النداء مجرد كلمة بل اعترافا. اعترافا بأن ما ربطهم لم يكن وثيقة ولا دما ولا قرارا قانونيا فقط بل مشاركة حقيقية في الخۏف وفي النجاة وفي البدايات الصعبة.
وفي تلك اللحظة أيضا فهمت صوفيا شيئا ظل غامضا طوال حياتها شيئا لم تستطع الكلمات سابقا أن توضحه لها
أن العائلة لا تولد دائما من الډم
وأنها أحيانا لا تمنح جاهزة بل تصنع بصبر وألم وصدق.
وأنها قد تولد من التخلي المشترك
ومن الخۏف ذاته الذي يربك الجميع
ومن الجوع ذاته الذي يعري الحقيقة
ومن الحب الذي لم يرد أحد غيرك أن يمنحه حين كان من الأسهل أن يشيح بوجهه.
فهمت أن ما أنقذهم لم يكن الصدفة وحدها
ولا الحظ
ولا تدخل القوة في اللحظة الأخيرة
بل القرار.
قرار البقاء
قرار الحماية
قرار ألا تترك أحدا خلفك حتى لو كنت أنت نفسك مكسورا.
وفهمت أيضا أن من ينقذ الآخرين
من يمد يده حين لا يملك سوى تلك اليد
قد يجد في نهاية الطريق
من يمد له العالم كله.