قصه حقيقيه في مصر

 

صغيرة.
وحين فتح أحد الأطفال عينيه وحين رآها وحرك يديه الصغيرتين في الهواء كما لو كان يبحث عنها انهار كل ما حاولت صوفيا أن تحمله وحدها.
اڼهارت تماما.
لم تبك بصوت منخفض هذه المرة بل خرج البكاء منها كما يخرج شيء محپوس منذ زمن طويل.
أنا آسفة شهقت سامحوني لأنني لم أحمكم أكثر.
كانت كلماتها تخرج متكسرة محملة بشعور ثقيل بالذنب بذنب لم يكن ذنبها لكنها حملته كأنه قدرها.
جثا دييغو إلى جانبها دون تردد.
كان ذلك أول مرة ينزل فيها إلى مستوى الأرض منذ وقت طويل.
لقد حميتهم حين لم يفعل أحد غيرك قال بهدوء أنقذت حياتهم.
رفعت صوفيا رأسها ببطء وكأنها لم تفهم ما سمعته.
لكن ترددت الآن لم يعودوا بحاجة إلي.
نظرت إلى الأسرة الصغيرة إلى الأجهزة إلى الأغطية النظيفة وشعرت أن دورها انتهى وأن وجودها صار فائضا.
نظر إليها دييغو طويلا.
نظرة لم تكن نظرة رجل صاحب قرار فقط بل نظرة إنسان فهم أخيرا معنى ما فاته.
هذا غير صحيح.
لم يشرح أكثر.
لكن كلماته كانت كافية.
مرت أيام قليلة.
تحدثت العناوين الرئيسية عن لقاء الملياردير بأبنائه المفقودين. الصور التصريحات التحليلات. لكن اسم صوفيا لم يذكر. كأنها لم تكن موجودة.
إلى أن تكلم دييغو بنفسه.
حكى الحقيقة كاملة.
لم يخف تفصيلا ولم ينتق كلماته ليبدو أفضل مما هو عليه ولم يحاول أن يجمل الواقع أو يخفف من قسوته. حكى كما حدث تماما كما عاشته طفلة صغيرة لم يكن لها اسم في الأخبار ولا قيمة في الحسابات. حكى عن الفتاة الفقيرة التي لم تكن تملك سوى جسد نحيل وروح أكبر من عمرها. حكى عن السلة التي وضعت في زاوية مهملة من العالم عن المطر الذي كان ينهمر بلا رحمة وعن الوعد الذي قطعته طفلة لا تملك بيتا ولا مالا ولا حماية لكنها امتلكت قلبا لم يعرف كيف يتخلى.
وحين خرجت القصة إلى العلن تغير مزاج البلاد.
لم يعد الناس يتحدثون عن الملياردير ولا عن قيمة المكافأة ولا عن النفوذ والسلطة. لم تعد القصة قصة مال يسترد ولا قصة أبناء ضائعين عادوا إلى القصور. صارت قصة عدل. قصة ميزان اختل طويلا ثم استقام على يد أضعف طرف فيه. قصة طفلة فعلت ما عجز عنه نظام كامل.
واتخذ دييغو قراره لا تحت ضغط الرأي العام ولا بدافع الامتنان العابر بل بعد ليال طويلة من التفكير من إعادة ترتيب المعنى من مواجهة نفسه بما فاته وبما وجده متأخرا.
لم تعد صوفيا إلى دار الأيتام ذلك المكان الذي كان يفترض أن يكون ملاذا فصار محطة انتظار باردة.
لم تعد إلى الشوارع ولا إلى الأرصفة التي علمتها كيف تنظر إلى الأرض
أكثر مما تنظر إلى الناس.
لم تعد إلى الخۏف الذي كان رفيقها الدائم الخۏف من الليل ومن الجوع ومن الغد.
انتقلت إلى منزل فيه حديقة صغيرة لا لتبهرها الخضرة بل