قصه حقيقيه في مصر


أن يبقوا وحدهم.
اقترب دييغو ببطء كأنه يخشى أن يفزعها.
هل تعلمين كم من الوقت قضيت أبحث عنهم قال سرقوا مني من المستشفى. ظننت أنني لن أراهم مرة أخرى.
اغرورقت عينا صوفيا بالدموع.
وأنا أيضا لا أحد لدي همست لذلك فهمتهم.
ساد الصمت.
صمت ثقيل ممتد كأن الزمن نفسه توقف احتراما لما قيل وما لم يقل. كان الصمت يملأ الغرفة البيضاء يتسلل إلى الزوايا ويضغط على الصدور ببطء. لم يكن صمت فراغ بل صمت امتلأ بالأسئلة وبالدهشة وبثقل الحقيقة التي بدأت تتكشف دون صړاخ.
كيف اعتنيت بهم سأل دييغو أخيرا.
لم يكن صوته حادا ولا متشككا. كان منخفضا مبحوحا يحمل في نبرته شيئا من الذنب وشيئا من الرجاء وكأنه يخشى أن يسمع الإجابة ويحتاجها في الوقت نفسه.
بدأت صوفيا تحكي.
لم ترفع رأسها في البداية. كانت تحدق في يديها الصغيرتين المتشققتين كأنها ترى فيهما شريط الأيام الماضية.
حكت عن المخزن المهجور عن الرائحة الرطبة للجدران عن الأرضية الباردة التي كانت تجلس عليها ساعات طويلة. عن العلب الفارغة التي جمعتها من الشوارع وعن الماء الذي كانت تسخنه بصبر وخوف تخشى أن تحترق الڼار أو ينفد الوقود. حكت عن الليالي الطويلة بلا نوم عن بكاء خاڤت كانت تحاول إسكاته قبل أن يسمعه أحد عن جسد صغير كانت تحضنه بجسدها النحيل كي تمنحه دفئا لم تكن تملكه.
حكت عن حديثها إليهم كيف كانت تهمس بأسمائهم التي اخترعتها لهم كيف كانت تخبرهم قصصا لا تعرف إن كانت حقيقية لكنها كانت جميلة بما يكفي لتجعلهم يهدؤون. عن الأغاني التي كانت ترددها بصوت مكسور وعن الوعد الذي قطعته لهم مرارا أن كل شيء سيكون على ما يرام. عن تلك الكلمات التي كانت تقولها وهي تعلم في أعماقها أنها لا تملك أي ضمان ولا أي قوة سوى الإصرار.
وحكت أيضا عن الخۏف.
عن الخۏف من الجوع ومن الظلام ومن أن يأتي أحد ليأخذهم. عن اللحظات التي كانت تشك فيها بنفسها وتسأل إن كانت تفعل الصواب ثم تعود فتنظر إلى وجوههم الصغيرة وتقرر أن الاستسلام ليس خيارا.
وحين انتهت لم تعد هناك كلمات.
أغمض دييغو عينيه. لم يكن ذلك هروبا بل محاولة لاحتواء كل ما سمعه. بدا وكأن الصور تتزاحم في رأسه أطفاله وحدهم تحت رحمة طفلة أخرى بالكاد تعرف كيف تحمي نفسها.
تعالي قال أخيرا.
لم يقل أكثر من ذلك.
قادها عبر الممر بخطوات بطيئة كأن كل خطوة تحتاج إذنا. فتح بابا بهدوء.
كان التوائم هناك.
نظيفين. آمنين. نائمين.
كان المشهد بسيطا لكنه ضړب صوفيا بقوة.
توقفت في مكانها. لم تتحرك. شعرت أن الهواء ثقيل وأن صدرها ضاق فجأة. كأنها لا تملك الحق في الاقتراب كأن وجودهم في هذا
المكان النظيف والهادئ جعلها تشعر بأنها دخيلة زائرة من عالم آخر.
يمكنك الاقتراب قال دييغو إنهم يعرفونك.
خطت خطوة واحدة.
ثم أخرى.
كان كل اقتراب معركة