الليلة التي توقفت فيها مدينة مكسيكو قصة ماريانا ليفي كما لم تُروَ بهدوء من قبل


في أي موضوع. وفي السبعينيات والثمانينيات انتقلت إلى التلفزيون وأصبحت واحدة من أكثر المذيعات تأثيرا في المكسيك.
كان برنامجها الحواري مرجعا مساحة يأتي إليها سياسيون وفنانون ومفكرون وشخصيات عامة وهم يعرفون أن الأسئلة ستكون ذكية وأن الحديث سيكون على مستوى. لم تكن تالينا تقدم مقابلات سطحية كانت تبحث وتستعد وتمتلك مهارة جعل ضيوفها يكشفون جوانب لا يظهرونها عادة.
ونالت لقب سيدة الكلمة الرصينة ليس فقط بسبب نطقها المنضبط بل لقدرتها على تناول أي موضوع مهما كان حساسا بأناقة واحترام.
لكن إلى جانب موهبتها الإعلامية بنت تالينا شيئا آخر أكثر قيمة وربما أكثر حساسية شبكة علاقات واسعة تمتد إلى أعلى مستويات النفوذ في المكسيك. كانت تعرف رؤساء ووزراء ورجال أعمال يتحركون بأرقام ضخمة وقادة مؤسسات وشخصيات ذات نفوذ تخالط عالم الشهرة. وعلى مدى عقودها في الإعلام تراكمت لديها معلومات وأسرار واعترافات قالها لها أصحابها داخل الكاميرا وخارجها.
كانت من النوع الذي يبوح له الناس بأشياء لأنهم يثقون في كتمانها ولأنهم يعلمون أيضا أن تأثيرها قد يكون مفيدا أو مزعجا بحسب طريقة استخدامه. كانت تالينا تتحرك داخل هذه الدوائر بذكاء وحذر تعرف متى تتكلم ومتى تصمت متى تستخدم نفوذها ومتى تبقى على مسافة.
كانت قد رأت من خبرتها ما يكفي لتفهم أن هناك خطوطا لا تتجاوز وموضوعات لا تمس وأشخاصا لا يستفزون بلا عواقب ومع ذلك لم تسمح للخوف أن يكسر استقلالها. كانت تحتفظ بقدرتها على طرح الأسئلة الصعبة لكن بالقدر الذي يجعلها حادة دون أن تتحول إلى خصم مباشر لأشد الأقوياء.
وكانت عائلة فرنانديثليفي قد عرفت الفاجعة من قبل. ففي عام 1998 أي قبل أحداث 2005 بسبع سنوات ټوفي فرانسيسكو كوكو ليفي شقيق ماريانا وابن تالينا في ظروف أثارت أيضا أسئلة. كان كوكو منتجا تلفزيونيا مثل والده ورحيله المفاجئ وهو في الثامنة والثلاثين مزق العائلة.
تالينا تلك المرأة التي اعتادت أن تبقى متماسكة أمام الكاميرات أظهرت لأول مرة هشاشتها للعلن. ففقدان ابن ألم لا تخففه خبرة ولا تطفئه شبكة علاقات. وماريانا لقربها من شقيقها تألمت كثيرا وقال من عرف العائلة إن تلك الصدمة جعلت رابط تالينا وماريانا أشد قوة كأنهما أدركتا معا أن العالم يمكن أن ينقلب في لحظة وأن الشيء الأكثر ثباتا هو الرابطة التي تجمعهما.
في عام 2005 كانت ماريانا في التاسعة والثلاثين من عمرها. لم يبق على عيد ميلادها الأربعين سوى أيام قليلة ذلك المنعطف الذي تستقبله كثير من النساء بمزيج من التأمل والرغبة في بداية جديدة. كان طفلاها في عمرين جميلين ماريا في السادسة وخوسيه ماريا بالكاد في الثالثة. وكانت قد وجدت توازنا بين الأمومة وظهور متقطع في الوسط الفني.
لم تعد تتصدر المسلسلات كما في التسعينيات لكن ذلك لم يكن يقلقها. كانت قد تطورت ونضجت وتغيرت أولوياتها. من رآها في تلك الأيام وصفها بأنها امرأة هادئة مع نفسها تستمتع بعائلتها ولا تعيش تحت ضغط النجومية التي لم تعد تحتاجها كما كانت من قبل.
أما المكسيك في 2005 فكانت تعيش مرحلة انتقال. كان فيسنتي فوكس من حزب العمل الوطني في الرئاسة بعد أن كسر هيمنة حزب ال التي امتدت عقودا منذ عام 2000. كانت مرحلة تغيرات سياسية لكن مع استمرار مشكلات عميقة. العڼف المرتبط بالچريمة المنظمة رغم أنه لم يصل بعد إلى المستويات الكارثية التي ستأتي لاحقا كان يظهر مؤشرات مقلقة.
مدينة مكسيكو بأكثر من عشرين مليون نسمة في محيطها الحضري كانت تواجه معدلات مرتفعة من الچريمة. حوادث السړقة والمضايقات الأمنية كانت جزءا من واقع يومي تعلم الناس التعايش معه بحذر واستسلام جزئي. وكان شارع باسيو دي لا ريفورما بما يحمله من رمزية وحداثة مسرحا تظهر فيه هذه الچرائم أيضا من حين لآخر.
كان الشارع بأكثر من مسار يمر يوميا بمئات آلاف السيارات بين بولانكو وتشابولتيبيك والمنطقة الوردية ومركز المدينة التاريخي. هو طريق تجاري وثقافي وسكني لكنه كذلك مساحة يعمل فيها المتورطين وهم يدركون أن الازدحام وإشارات المرور تمنحهم فرص خطڤ سريع ثم هروب.
السلطات كانت تحاول مواجهة ذلك بموارد محدودة وخطط لا تكفي غالبا. وبدأت مساء التاسع والعشرين من أبريل كما تبدأ أي مساءات كثيرة بالنسبة لماريانا. كانت لديها خطط عائلية وبعض الشؤون الشخصية وروتين أم يوزع يومه بين البيت والأطفال.
كان خوسيه ماريا فرنانديث زوجها معها ذلك اليوم. ركبا سيارتهما جيب ليبرتي بيضاء واندمجا في زحام المدينة. كان الجو ربيعيا لطيفا غيوم متفرقة وحرارة معتدلة من تلك الأيام التي تسمح بالخروج دون حر الصيف ولا برد الشتاء.
كانا يسيران على ريفورما باتجاه الغرب. والزحام يسير ببطء مألوف. آلاف السيارات تتحرك في المسارات المتعددة وكل شخص غارق في همه وأفكاره غير مدرك أن دقائق قليلة ستجعل تلك الرحلة جزءا من خبر يهز البلاد.
على جانبي الطريق كانت الأبراج والشركات ترتفع وتظهر الدوارات والڼصب كمعالم على امتداد الشارع والحياة الحضرية تمضي بفوضاها المنظمة.
وبحسب
الرواية التي انتشرت في الساعات التالية قرابة الخامسة مساء وبينما كانت السيارة متوقفة أو تسير ببطء بسبب الازدحام اقترب رجلان على دراجة ڼارية. اقترب أحدهما من نافذة السائق وطلب منهما تسليم ما بحوزتهما في محاولة سطو سريعة.
كان ذلك أسلوبا معروفا في المدينة سرقات سريعة يستغل فيها بعض المعتدين الازدحام ويستهدفون من لا يستطيع الفرار بسهولة.
ما حدث في الدقائق التالية بقي محل روايات متعددة بعضها متقارب وبعضها فيه اختلافات لفتت انتباه من تابعوا القصة بتدقيق. تقول الرواية الرسمية إن خوسيه ماريا سلم ما لديه وأن المهاجم توجه كذلك نحو ماريانا وأخذ بعض ممتلكاتها ثم بعد حصولهما على ما يريدان هربا على الدراجة.
كان الأمر كله قد استغرق دقائق معدودة. زمن قصير لكنه بالنسبة لمن يتعرضون لموقف شديد التوتر قد يبدو أطول من ذلك بكثير.
وبحسب التقارير الأولى دخلت ماريانا في حالة صدمة شديدة. الخۏف والضغط المفاجئ والشعور بالخطړ في وضح النهار أثر على جسدها بشكل حاد. خوسيه ماريا وقد لاحظ أن شيئا غير طبيعي يحدث لزوجته بدأ يقود على عجل بحثا عن مساعدة طبية.
بعض من تحدثوا لاحقا للإعلام قالوا إنهم رأوا الجيب البيضاء تسير بطريقة مرتبكة مع إشارات طوارئ تحاول شق طريقها بين السيارات.
في لحظة ما بدأت ماريانا تشعر بسوء شديد ثم أسوأ. ظهرت أعراض ما وصف لاحقا بأنه أزمة قلبية حادة. كان خوسيه ماريا في سباق يائس نحو أي مستشفى فيما كانت ماريانا تفقد وعيها تدريجيا.
كانت كل ثانية ثمينة لكن ازدحام مدينة مكسيكو لا يلين لأحد. سيارات لا تنتهي تحيط بالمركبة ولا طريق يفتح فجأة مهما كان الموقف طارئا.
وأخيرا وصلوا إلى مستشفى أنخيليس دل بيدرغال أحد أشهر المستشفيات الخاصة في المدينة جنوب العاصمة. استقبلها الطاقم الطبي فورا وبدأ إجراءات الإنقاذ بكل ما لديهم من إمكانات.
تحرك الأطباء والممرضون بسرعة واستدعيت الخبرات المطلوبة لكن قلب ماريانا كان قد تعرض لضرر بالغ. ورغم كل المحاولات والإجراءات العاجلة أعلن ۏفاتها في ذلك المساء.
كانت في التاسعة والثلاثين وعلى بعد أسبوع تقريبا من عيد ميلادها الأربعين. فقد طفلان صغيران