أمٌّ تخلّت عن أبنائها فربّتهم أختهم ذات الـ18 عامًا وحدها!


الطفولة الإحساس بأن هناك من يحمي ظهورنا.
لكن وسط كل ذلك كان هناك فرق واحد لا يمكن إنكاره
أننا لم نعد وحدنا.
بدأت أتحمل مسؤوليات أكثر دون أن أشعر. في الثانية عشرة من عمري تعلمت كيف أعد الحساء البسيط من مكونات قليلة وكيف أغير الحفاضات دون أن أرتبك أو أتذمر وكيف أشرح لخورخي مسائل الرياضيات ببطء وصبر لم أكن أعلم أنني أملكه. صرت أستيقظ أبكر وأفكر قبل أن أتصرف وأحسب حساب إخوتي قبل نفسي. لم أعد مجرد الابن الثاني كما كنت أسمع من قبل. أصبحت أخا أكبر بحق. كان ذلك عبئا ثقيلا على كتفي نعم لكنه كان عبئا يمنحني شعورا غريبا بالفخر كأنني أثبت لنفسي أنني قادر على أن أكون أكثر مما ظننت.
أما لوسيا فقد سجلت نفسها في دورات صباحية للحصول على شهادة تقنية. لم يكن الأمر سهلا. كانت تدرس بين مسؤولية وأخرى بين طفل يبكي وواجب مدرسي يحتاج إلى تصحيح. كانت تقرأ الكتب بعينين متعبتين وتدون الملاحظات بينما يغلي الطعام على الموقد. أحيانا كنت أراها جالسة إلى الطاولة وضوء الشمس يتسلل عبر النافذة ليضيء وجهها الشاحب لكنه كان وجها مصمما عنيدا يرفض الاستسلام مهما ضاق الأفق. وللمرة الأولى منذ رحيل أمنا لم يعد المستقبل يبدو كجدار مسدود بلا مخرج بل كطريق طويل متعب لكنه ممكن.
أما أمنا فبقينا نتحدث عنها قليلا وكأن اسمها صار هشا نخشى أن ينكسر إن أكثرنا ترداده. ذات مساء حين خيم الهدوء على البيت سألت آنا بصوت خاڤت بالكاد يسمع
هل تتذكرنا أمنا
ساد صمت طويل. صمت ثقيل محمل بأشياء لم نعرف كيف نعبر عنها. نظرت لوسيا إلى الأرض ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بهدوء لم أسمعه منها من قبل
ربما وربما لا. لكن هذا لا يغير حقيقة واحدة نحن نتذكر بعضنا.
لم يجادل أحد. لم يسأل أحد المزيد. تعلمنا مع الوقت أن نعيش مع الأسئلة التي لا إجابة لها وأن نواصل السير رغم ذلك لأن التوقف كان يعني السقوط.
بعد عام كامل في عيد ميلاد صموئيل الثاني أقمنا حفلة صغيرة في فناء الحي. لم يكن هناك شيء فاخر أو منظم. فقط كعكة بسيطة خبزتها السيدة مرسيدس بيديها وبالونات قديمة أعيد نفخها وطاولة خشبية متواضعة. لكن المكان امتلأ بالناس. حضر الجيران جميعا. أكلوا وضحكوا وتبادلوا القصص ونظروا إلى لوسيا نظرة مختلفة تماما عن تلك التي كانوا ينظرون بها سابقا. لم تكن نظرة شفقة بل نظرة احترام صادق كأنهم يرون فيها شيئا لم يكونوا يتوقعونه.
جلست في زاوية أراقب إخوتي وهم يركضون أصوات ضحكاتهم تختلط بالموسيقى الخفيفة وأراقب لوسيا وهي تحمل صموئيل بين ذراعيها بينما ينفخ الشموع بضحكة بريئة. وفي تلك اللحظة فهمت شيئا لم يخطر لي من قبل
العائلة ليست فقط من يمنحك الحياة العائلة هي
من يختار أن يبقى حين يكون الرحيل أسهل.
في تلك الليلة بعد أن غادر الجميع جلسنا أنا ولوسيا أمام البيت. الهواء كان عليلا والشارع هادئا على غير عادته.
هل ندمت سألتها بعد تردد على بقائك على تحمل كل هذا
ابتسمت. كانت متعبة نعم لكن في عينيها طمأنينة لم أرها منذ زمن طويل.
هناك أيام أخاف فيها كثيرا اعترفت بصوت منخفض أخاف من الغد ومن العجز ومن أن أخذلكم لكنني لم أندم يوما.
مدت يدها وربتت على رأسي كما كانت تفعل أمنا قديما بحنان صامت.
لا نختار كيف نبدأ قالت لكننا نختار كيف نكمل.
رفعت رأسي إلى السماء. لم تكن مميزة ولا مختلفة عن أي سماء أخرى. مجرد نجوم عادية متناثرة في العتمة. لكنني ولأول مرة منذ زمن طويل لم أطلب شيئا. لم أتمن معجزة ولم أسأل عن المستقبل. فقط شكرت الله لأننا ما زلنا هنا
معا.