أمٌّ تخلّت عن أبنائها فربّتهم أختهم ذات الـ18 عامًا وحدها!


يكبر هؤلاء الأطفال معا كما ينبغي.
في الأيام التالية لم يعد البيت الصغير صامتا بتلك الطريقة المخيفة. ظل فقيرا وظل ضيقا لكن صار فيه ضحكات وأصوات أوان وصحون والأهم لم يعد يشعر بالهجران.
أوفت السيدة مرسيدس بوعدها. كل مساء عندما نعود من المدرسة كانت تجلس أمام منزلها على كرسي خشبي قديم شعرها الأبيض مربوط وفي يدها مروحة بلاستيكية. كان التوأمان يركضان أولا نحو بيتها وكان صموئيل يحمل بين ذراعيها كأنه حفيدها. آنا تساعدها في غسل الخضار وخورخي بفخر واضح يصعد على كرسي ليصل إلى الأشياء العالية. أما أنا فكنت أؤدي واجباتي على الطاولة المستديرة أستمع إلى السيدة مرسيدس وهي تحكي قصصا قديمة عن الحي عن عائلات كانت فقيرة إلى حد أنها لا تملك سوى الأرز والملح ومع ذلك استطاعت أن تصمد معا.
بدأت لوسيا تنام قليلا أكثر. لم يكن نوما مريحا كاملا ولم يكن عميقا كما ينبغي لكنه كان كافيا ليخفف حدة الهالات السوداء التي كانت تحيط بعينيها كظل دائم. صار وجهها أقل شحوبا وصارت خطواتها في الصباح أقل ترددا وكأن الجسد الذي كان يقاوم الاڼهيار بدأ يتعلم كيف يتنفس من جديد.
في الصباحات الأولى لم أصدق أذني حين سمعتها تعد وجبات المدرسة وهي تهمهم بلحن خاڤت. لم يكن غناء واضحا بل همهمة بالكاد تسمع لكنها كانت كافية لتملأ المطبخ بشيء يشبه الطمأنينة. توقفت في مكاني وأصغيت جيدا. عرفته فورا. كان نفس اللحن الذي كانت أمنا تهدهدنا به حين كنا صغارا حين كانت تمسح على رؤوسنا وتعدنا بأن كل شيء سيكون بخير حتى في الأيام التي لم يكن فيها شيء بخير فعلا.
رأيتها مرة تتوقف في منتصف المطبخ. كانت الملعقة في يدها والقدر يغلي أمامها. لاحظت كيف ارتجفت يداها فجأة وكيف انخفض صوتها حتى كاد يختفي. بقيت واقفة لثوان طويلة وكأن ثقل الذكريات هبط عليها دفعة واحدة. ثم أخذت نفسا عميقا مسحت عينيها بظاهر يدها وأكملت الطهي. لم تفعل ذلك لأنها نسيت أمنا بل لأنها اختارت بوعي مؤلم ألا تسمح للحزن بأن يسقطها أرضا.
بعد أسبوع واحد فقط عاد موظفو الشؤون الاجتماعية.
كان وقع خطواتهم هذه المرة مختلفا. لم يكن ذلك الصوت البارد الثقيل الذي يسبق القرارات القاسېة. دخلوا البيت ببطء وتلفتوا حولهم وكأنهم يرون المكان للمرة الأولى. لم يعودوا يرون فقط فتاة في الثامنة عشرة من عمرها منهكة تقف وحيدة في وجه مسؤولية تفوق طاقتها. رأوا مطبخا تفوح منه رائحة الطعام الساخن. رأوا طاولة تحيط بها كراس غير متناسقة لكنها تحمل آثار وجبات مشتركة وضحكات متقطعة.
رأوا جيرانا يدخلون ويخرجون دون تكلف. رأوا السيدة مرسيدس تجلس قرب النافذة تنسج ملابس صغيرة لصموئيل بإبرتها القديمة تحركها بثبات يشبه الصلاة. رأوا السيدة روزا تدخل وهي تحمل كيس أرز أكبر