أمٌّ تخلّت عن أبنائها فربّتهم أختهم ذات الـ18 عامًا وحدها!


من حجمها وتقول بابتسامة بسيطة اليوم جاء دوري. رأوا السيد مانويل النجار يفحص أسرتنا المتهالكة ويعد بإصلاحها دون مقابل وكأن الأمر بديهي لا يحتاج إلى شكر.
رأوا دفترا مفتوحا على الطاولة. دفترا لم يكن مجرد أوراق بل شهادة صامتة على محاولة النجاة. كانت لوسيا تدون فيه كل شيء بعناية شديدة مواعيد المدرسة ما نأكله في كل يوم متى أخذ صموئيل دواءه كم دخل من المال وكم خرج وما الذي يمكن تأجيله وما الذي لا يحتمل التأجيل. لم يكن الدفتر جميلا لكنه كان صادقا.
قال أحدهم بنبرة لم نسمعها منه
من قبل
لا ننكر أن الوضع صعب لكنه مختلف عما رأيناه سابقا. من الواضح أن هناك شبكة دعم حقيقية هنا.
شعرت بيد لوسيا تشد على يدي. كانت باردة باردة جدا كأنها تخشى أن تختفي هذه اللحظة إن لم تتمسك بها.
لست مثالية قالت بصوت مرتجف لكنه ثابت بما يكفي ليقاوم أخطئ كثيرا وأتعلم كل يوم. لكنني مستعدة لقبول أي مساعدة أي شيء فقط ليبقى إخوتي معا.
ساد صمت قصير. تبادلوا النظرات فيما بينهم ثم أومأت المرأة الأكبر سنا برأسها ببطء.
سنواصل متابعة الحالة قالت لكن في الوقت الحالي لن يتم فصل الأطفال.
لا أعرف كيف تمكنت من التنفس. شعرت وكأن صدري كان مغلقا لأيام ثم فتح فجأة. سمعت آنا ټنفجر بالبكاء بكاء حادا خرج منها دفعة واحدة وكأنها كانت تحبس خۏفها طوال الأسابيع الماضية. رأيت التوأمين يعانقان لوسيا بقوة كأن تركها يعني ضياع العالم بأكمله.
مر الوقت بعد ذلك ولم يتحول إلى حلم وردي كما في القصص التي تحكى للأطفال قبل النوم. لم تختف الصعوبات ولم تتلاشى المخاۏف فجأة بل ظلت معنا تتبدل أشكالها فقط. كانت الحياة تمضي ببطء ثقيل يوما بعد يوم اختبارا بعد اختبار وكأنها تريد أن تتأكد من أننا ما زلنا قادرين على الصمود.
كانت هناك أيام ينقطع فيها التيار الكهربائي لساعات طويلة فنشعل شمعة واحدة ونجتمع حولها نراقب ظل اللهب على الجدران المتشققة. كنا نضحك أحيانا بلا سبب واضح فقط لنخفي قلقنا وأحيانا نصمت طويلا نسمع أصوات بطوننا الخاوية أكثر مما نسمع أصواتنا. وكانت هناك ليال تعود فيها لوسيا متأخرة من العمل خطواتها بطيئة كتفاها منحنيتان من التعب بالكاد تقوى على خلع حذائها قبل أن تجلس على الكرسي وتغلق عينيها لدقائق كأنها تستعيد أنفاسها قبل أن تبدأ مهمتها الثانية أن تكون أما.
كانت هناك لحظات ړعب حقيقية لا تنسى. حين ارتفعت حرارة صموئيل فجأة في منتصف الليل وحين لم يتوقف بكاؤه رغم كل محاولاتنا. أتذكر كيف حملته لوسيا بين ذراعيها ووجهها شاحب وشفتيها تتمتمان بالدعاء دون صوت. جلسنا في غرفة الانتظار في العيادة ساعات طويلة نراقب عقارب الساعة بقلق نخشى أن نفقده كما فقدنا أشياء كثيرة من قبل الطمأنينة