حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة


فيها طاولة نزهة يطوف حولها الأطفال بدراجاتهم.
في الليلة الأولى هناك استلقيت
في سرير مستعار وكانت الغرفة لا تزال تحمل رائحة طلاء خفيفة واستمعت إلى الأصوات الجديدة تلفاز جار خلف الجدار همس المرور عواء قطار بعيد. لم يكن هناك شخير ثقيل بجانبي ولا انتظار متوتر لمعرفة أي مزاج سيدخل الباب.
كان هناك نفسي وحده ثابتا وبطيئا.
يوم الأحد جاء والداي بعد الكنيسة ليساعداني في تعليق الستائر وتركيب رف كتب رخيص اشتريته. ركب مايكل قفلا جديدا للباب للاحتياط مع أن القديم كان يعمل. ملأت أمي ثلاجتي ببقايا طعام في علب مكتوب عليها أسماء الأيام.
حين وقفوا عند الباب يودعونني لمست أمي خديوقد زال أي أثر للكدماتوابتسمت.
قالت تبدين كأنك عدت إلى نفسك.
قلت أنا أبدأ بتذكر من تكون.
بعد أن غادروا أعددت لنفسي كوب شاي وحملته إلى الشرفة وجلست. كان هواء ديسمبر يعض خدي لكن السماء صافية بلون أزرق شاحب فوق الموقف الهادئ. في الأسفل كان جار بمعطف مهترئ يسحب شجرة عيد الميلاد من صندوق سيارة صغيرة وطفلان يقفزان حوله يشيران ويتحدثان.
ضممت الكوب الدافئ بكفي واستنشقت البخار.
كان الصمت حولي مختلفا عن الصمت الذي عشت فيه سنوات. ذاك الصمت كان ثقيلا بالخۏف ممتلئا بكلمات ابتلعتها ومشاعر دفنتها. أما هذا الصمت فكان خفيفا مفتوحا ينتظر. صمتا يستطيع المرء فيه أن يسمع أفكاره ولا ېخاف منها.
فكرت في ذلك الصباح عند طاولة المطبخ وفي كيف تبدلت ملامح دانيال حين رأى أخي جالسا هناك. وفكرت في صوتي وأنا أقول بثبات سأغادر. طوال زمن طويل تخيلت تلك اللحظة عاصفة صاخبة. لكنها كانت سكونا. بابا يغلق برفق وحزم على فصل أخذ مني أكثر مما أعطى.
لم أكن أعلم بالضبط كيف ستبدو حياتي الآن. لدي شقة صغيرة وعمل ما زلت أحبه ووالدان يحبانني وأخ حضر حين طلبت أخيرا. في محفظتي بطاقة محامية وعلى ثلاجتي جدول مواعيد مجموعة الدعم.
ولدي أنا.
وضعت الكوب على الطاولة الصغيرة ورفعت بصري إلى السماء. كان الهواء باردا ونظيفا في رئتي.
همست أنا حرة.
هذه المرة لم تكن الكلمات أمنية يائسة ولا تحديا ألقيه
في وجه باب مغلق. كانت حقيقة هادئة تقال تحت سماء مفتوحة.