حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة


إضافية للغرفة القديمة التي سأنام فيها.
في تلك الليلة وأنا في سرير طفولتي تحت اللحاف المألوف حدقت في نجوم مضيئة لا تزال ملصقة بالسقف. استمعت إلى همهمة المدفأة القديمة ونباح كلاب الحي البعيد. لأول مرة منذ سنوات لم يكن الظلام حولي مهددا. كان كغطاء.
اهتز هاتفي على طاولة السرير. ظهر اسم دانيال.
تركته يذهب إلى البريد الصوتي. وبعد دقائق ظهرت رسالة
نحتاج أن نتحدث. رجاء أجيبي.
ثم أخرى
أنا آسف. أنت تعلمين أنني لم أقصد. نستطيع إصلاح هذا.
ثم
إن لم تعودي إلى البيت لا أعلم ماذا سأفعل.
قلبت الهاتف على وجهه. أعرف هذا الإيقاع اعتذار إعلان حب تلميحات يائسة تجعلني أشعر أنني مسؤولة عن سلامته. في الماضي كان ينجح. كنت سأقوم وأمشي في الغرفة
عقلي عقد أصوغ ردودا توازن ألمي مع خوفه.
هذه الليلة تركت الرسائل تتكدس دون
رد. كنت سأتحدث معه لاحقا وبوجود محام في الحديث. لكنني لا أدين له بكلمة واحدة قبل أن أنام.
الأيام التي تلت كانت عادية وغيرت الحياة في آن معا. استيقظت مبكرا ساعدت أمي في الفطور وسكبت قهوة أبي في قدحه المتشقق الذي يرفض استبداله. غسلت الصحون في الحوض الذي وقفت عنده مراهقة بعد العشاء أنظر إلى الحديقة نفسها وشجرة القيقب نفسها عاړية الآن.
ظل هاتفي يرن. رسائل من دانيال تزداد اضطرابا بعضها غاضب وبعضها متوسل. اتصالات من أمه صوتها حاد في البريد الصوتي تتهمني بأنني تخليت عن ابنها وتذكرني برحلات كانوا قد ضموني إليها كأن ذلك يجب أن يطغى على كل شيء. لم أجب أيا منها. حفظتها كلها وأرسلتها إلى البريد الإلكتروني الذي أعطتني إياه المحامية حين اتصلت بمكتبها أخيرا.
كان اسمها أنيتا موراليس. امرأة هادئة عملية في الخمسين من عمرها ترتدي أحذية مريحة وتضع على مكتبها صحنا صغيرا من الحلوى الصلبة. جلست أمامها في مكتب متواضع وسط المدينة وشعرت بأنني صغيرة وغريبة القوة في الوقت نفسه.
قالت وهي تدفع علبة مناديل نحوي حين دمعت عيناي لست أول امرأة تجلس حيث تجلسين. ولن تكوني الأخيرة. لكنك هنا الآن. وهذا هو المهم.
تحدثنا عن المال وعن البيت وعن السيارة وعن إرث متواضع تركته لي جدتي كنت قد ساهمت به في الدفعة الأولى لشراء البيتمالا قلت لنفسي إنه استثمارنا ثم أدركت أنه قيدني أكثر بمكان لا أشعر فيه بالأمان.
قالت أنيتا وهي تطرق قلمها على دفتر ملاحظات إذن عمليا أنت ساهمت بقدر ما ساهم هو وربما أكثر إضافة إلى عملك غير المدفوع في البيت فوق عملك خارجه.
أومأت وشعرت بأنني مرئية ومكشوفة قليلا.
قالت سنحرص أن يعترف بذلك. لن يمحو ما مررت به لكنه سيمنحك بداية عادلة للفصل التالي.
استقرت عبارة الفصل التالي في صدري. طوال زمن طويل كنت أظن حياتي قصة واحدة عنوانها إميلي ودانيال. الآن سيكون هناك جزء جديد بعنوان لم أجده بعد.
في المساء كنت أذهب مع والدي إلى الكنيسة الصغيرة عند طرف 
البلدة. زوجة القس امرأة لطيفة تتذكر أعياد ميلاد الجميع ضغطت على يدي وأخبرتني عن مجموعة دعم تجتمع في القاعة كل خميس. ذهبت رغم أن الفكرة كانت تربكني.
جلست في دائرة من كراس معدنية تحت ضوء فلوري أحتسي قهوة سيئة وأستمع إلى نساء يتحدثن عن نسخهن من قصتي. شعرت بوحدة أقل مما شعرت به في سنوات. بعضهن غادرن. بعضهن ما زلن يخططن. بعضهن عدن ثم غادرن ثانية. ولم تكن أي منا صورة كاريكاتورية أو حكاية تحذيرية. كنا بشړا بقينا طويلا في أماكن تؤلمنا لأننا أحببنا أحدا وصدقنا أننا نستطيع حمل ثقل انكساره.
في ليلة بعد الاجتماع خرجت إلى الموقف فرأيت سيارة مألوفة عند الطرف البعيد. انقبضت معدتي. وقبل أن أقرر ماذا أفعل تقدم ظل طويل إلى ضوء المصباح.
دانيال.
كان واقفا بمعطفه الثقيل يداه في جيبيه ويبدو أصغر مما أتذكر. كانت غريزتي الأولى أن أعود إلى الداخل وأن أبحث عن إحدى النساء وأن أتصل بمايكل. لكنني شعرت أيضا بشيء آخر أنني لا يجب أن أخاف من محادثة ما دمت أتذكر أنني لا أدين له إلا بما أختاره.
توقفت على بعد أمتار تاركة مسافة كافية.
قلت لا ينبغي أن تكون هنا.
أطلق نفسا صار بخارا في الهواء اتصلت بوالديك. قالوا إنك في الكنيسة. أردت أن أتحدث فقط.
قلت يمكنك أن تتحدث مع محاميتي. ليس مناسبا أن تقترب مني هكذا.
رمق باب الكنيسة مجموعة دعم أليس كذلك تجلسين لتقولي للجميع إنني وحش.
قلت بهدوء لا. نجلس لنذكر بعضنا أننا لسنا مجنونات لأننا نريد أن نكون آمنات.
ارتعش وجهه قليلا.
قال بعد لحظة بدأت أرى مختصا. مستشارا. إدارة ڠضب. حتى ذهبت إلى مجموعة الرجال التي أوصى بها القس ديف.
قلت أنا سعيدة. وكنت صادقة. كنت بحاجة إلى مساعدة منذ زمن.
قال كأنه لا يصدق أنا لا أضرب أحدا في العمل. لا أدفع زملائي. لا أصرخ هكذا في وجه أصدقائي. لا أعرف لماذا أنا
قلت برفق أنت تعرف. شعرت بالأمان لتفعل ذلك معي. لأنني سامحت وبقيت وغطيت عليك حين سأل الناس عن الكدمات. لأن البيت كان عالما مغلقا تستطيع 
فيه أن تحكي لنفسك قصصا عن من تكون وأن الأمر ليس سيئا جدا. ظننت أن حبي لك يعني أن أجعل تلك القصص أسهل تصديقا.
حدق في الأرض أفتقدك. البيت يبدو خطأ من دونك. قدحك قرب آلة القهوة وكتابك على ذراع الأريكة. أتوقع أن تدخلي الغرفة.
قلت وأنا أفتقد أجزاء من حياتنا أيضا. الأجزاء الجيدة. لكن ذلك لا يعني أن الأجزاء السيئة كانت مقبولة.
ابتلع ريقه إن واصلت الذهاب إلى العلاج إن قمت بالعمل هل هناك أي احتمال
قلت بحزم غير قاس لا. ليس لنا. أريدك أن تتحسن لأنك بحاجة إلى ذلك لا لأنك تحاول استعادتي كجائزة. لا أريد أن أكون الشخص الذي يقرر إن كنت قد تغيرت بما يكفي. هذا ليس مكانا صحيا لأي منا.
هبطت كتفاه. طنين المصابيح في الموقف كان خاڤتا.
قال إذن هكذا ينتهي الأمر.
قلت هكذا ينتهي هذا الجزء. الجزء الذي كنت تؤذيني فيه ثم تقنعني بالبقاء. الجزء الذي كنت ألتوي فيه لأصير أصغر كي تشعر أنت أنك أكبر. في قصتي ما هو أكثر من أن أكون زوجتك. وأنا أخيرا سأعرف كيف يبدو ذلك.
رفع رأسه وعيناه تلمعان أنا آسف حقا. أعلم أن ذلك قد لا يعني شيئا الآن لكنني آسف.
قلت يعني شيئا. لكنه لا يغير ما علي فعله.
وقفنا لحظة أخرى والمسافة بيننا ممتلئة بكل تاريخ لن نعيد كتابته. ثم استدرت ومشيت نحو سيارة والدي.
وأنا أفتح الباب سمعته يناديني. الټفت.
قال بصوت منخفض شكرا على الفطور. ذلك الصباح. جعل من الصعب علي أن أقنع نفسي أنك كنت مجرد عاطفية.
مرت صورة الطاولة في ذهني الفطائر القهوة أخي قبالته كمرآة لا يريد أن ينظر إليها.
قلت عفوا. اعتن بنفسك يا دانيال.
ركبت السيارة وذهبت إلى البيت.
بعد أشهر وبعد أن وقعت الأوراق وقيم البيت وتقاسمت الحسابات دخلت شقة صغيرة من غرفتين في الطابق الثاني من مبنى من الآجر غير بعيد عن بيت والدي. فيها شرفة صغيرة لا تتسع إلا لكرسي وبضع أصص. نافذة غرفة الجلوس تطل على الموقف وخلفه مساحة عشب