طردتني بنتي وزوجها تحت المطر


ادخار بعد خصم الضرائب يبلغ أربعة ملايين بيزو لتعيشي ما تبقى من عمرك بكرامة ملكة كما نصت الوصية.
نظرت مرسيدس إلى الشيك. كم من الأصفار لم تر مثله قط. ارتجفت يداها حتى عجزت عن إمساكه. قالت سيدي هذا كثير أنا كنت أنظف بيته فحسب أنا فقال المحامي لقد منحته إنسانيته وهذا لا ثمن له. وقعي هنا من فضلك.
خرجت مرسيدس من المكتب وفي حقيبتها القديمة مفاتيح بيت ومستقبل مؤمن. كانت شمس العصر تلمع فوق شارع ماساريك. الناس يهرولون إلى متاجر فاخرة لكنها كانت تسير بإيقاع آخر. جلست على مقعد أخرجت المفاتيح وضمتها إلى صدرها. كان المعدن باردا لكنه أحرق قلبها فرحا. قالت وهي تنظر إلى السماء شكرا يا دون إستيبان وشكرا لك يا ربي يا من تقوم العوج.
ركبت سيارة أجرة إلى سان آنخل. وحين وصلت إلى العنوان وقفت أمام البيت مدهوشة. كان جميلا تتدلى على جدرانه حجارة قديمة وبوغانفيليا زاهية وباب حديدي مشغول. فتحت الباب. كان الداخل تفوح منه رائحة الإغلاق لكنه يحمل رائحة تاريخ. أثاث مغطى بملاءات بيضاء. رفعت مرسيدس غطاء عن أريكة مريحة وجلست. وقالت بصوت مرتجف ارتد صداه في الجدران الفارغة لدي بيت لدي بيت! ثم ضحكت وبكت في آن واحد ضحكة خرجت من عمقها.
لم تعد المقيمة بلا حق. لم تعد العبء. صارت سيدة حياتها.
وفي بيت لوماس انكسر الصمت. كانت كارولينا في الصالة تمسك الهاتف ويديها ترتعشان. دخل رودريغو فوضوي المظهر قميصه خارج بنطاله وعيناه محتقنتان. صړخ جهزي الحقائب! علينا أن نهرب! الآن! صاحت كارولينا إلى أين يا رودريغو ماذا يحدث لقد رفضت بطاقتي في المتجر يا للعار! فهزها من كتفيها وهو ېصرخ انسي البطاقة! سيودعونني السچن يا كارولينا! انتهى كل شيء!
وفي تلك اللحظة دوى جرس باب القصر لا كجرس الضيوف بل كضربات سلطوية. افتحوا! النيابة العامة! أطلقت كارولينا صړخة ړعب. ركض رودريغو نحو الباب الخلفي لكنه عرف أن لا جدوى. كان البيت محاصرا. لقد وصلت العدالة ولم تحمل معها محاميا للدفاع.
لم يتأخر الخبر أن يتصدر نشرات المساء. الكاميرات تنقل صناديق وأجهزة حاسوب تسحب من قصر رودريغو. الجيران الذين كانوا بالأمس يرفعون كؤوس الشمبانيا في حفلاته صاروا اليوم يتلصصون من خلف الستائر بمزيج من الشماتة والاشمئزاز. في تلك المدينة سقوط حديثي الثراء رياضة مفضلة.
نجا رودريغو من الحبس الاحتياطي بأمر قضائي عاجل دفع ثمنه مما بقي لديه نقدا وبساعة نادرة لكن الضرر وقع. البيت صار محجوزا للبنك والحسابات صارت صفرا والشركاء اختفوا أو صاروا يشهدون ضده.
وبعد ثلاثة أيام جاء القرار النهائي إخلاء فوري.
كان رودريغو ېصرخ عند الباب وهو يتشاجر مع العمال الذين يخرجون أثاثه الإيطالي إلى الرصيف لا يمكنكم فعل هذا! أنا رودريغو سالاثار! لا تعرفون من أنا! لكن مأمور التنفيذ رجل قصير بنظارة ووجه لا مبال لم ينظر إليه لديك عشر دقائق لإخراج متاعك الشخصي وإلا بقي في الداخل. الملكية تنتقل إلى البنك. وقع هنا أو أستدعي القوة العامة.
كانت كارولينا جالسة على الرصيف فوق حقيبة فاخرة بدت سخيفة وسط المهانة. تبكي بصمت بلا مكياج شعرها متسخ تبدو صغيرة هشة. توسلت رودريغو لنذهب الناس ينظرون فالټفت إليها بعينين مليئتين حقدا اصمتي! كل هذا بسببك! أنت من جلبت النحس! منذ طردنا أمك انهار كل شيء! رفعت كارولينا رأسها وكأن ضړبة أصابت معدتها بسببي أنت من دفعها إلى المطر. أنت من سرق. أنت من كڈب. فزمجر فعلت ذلك من أجلك! كي تعيشي ملكة!
استأجروا شاحنة نقل رخيصة بما تبقى من نقود خبأتها كارولينا في حصالة. لم يحملوا أثاثا فخما بل ثيابا وصناديق قليلة. وحين ابتعدت الشاحنة نظرت كارولينا إلى القصر للمرة الأخيرة. لم يعد قصرا. بدا كقبر من رخام. همست انتهى كان كل شيء كڈبا.
انتهى بهما الحال في شقة ضيقة من غرفتين في حي دوكتوريس. جدران رقيقة تسمع كل شيء أنابيب تصدأ وتقطر موسيقى الجيران ټضرب حتى الفجر. القصر تبدل إلى بناية متعبة. صمت المتحف تحول إلى ضجيج الشارع.
تمدد رودريغو على فراش قديم اشتري من سوق شعبي ينظر إلى سقف متقشر وزجاجة تكيلا رخيصة في يده. كان يهذي سأستعيد كل شيء سترون أنا عبقري. لكن كارولينا وهي تراقبه من زاوية الغرفة فهمت أن العبقري ماټ وبقي قشر فارغ يطفح بالمرارة. ولأول مرة منذ سنوات شعرت بفراغ رهيب في صدرها. كان ينقصها شيء أو بالأحرى كانت تنقصها أمها. أغمضت عينيها وهمست في داخلها أمي أين أنت هل تشعرين بالبرد اغفري لي يا حبيبتي.
وفي الوقت الذي كانت حياة ابنتها ټغرق في وحل رمادي كانت حياة مرسيدس تزهر كجاكرندا في الربيع. بيت سان آنخل لم يكن جدرانا فقط بل ملاذا. أمضت الأسابيع الأولى تنظف لا لأنها مضطرة بل لأنها تريد أن تزيل غبار النسيان. فتحت النوافذ ليدخل الضوء والهواء ويطرد رائحة الإغلاق.
ولم تنفق مرسيدس مال الميراث على حلي أو سفر. قالت للأب توماس يوم زارها لم أريد هذه الأشياء ما لا يشارك يفسد يا أبتي. ثم فعلت ما أتقنته طوال عمرها رعاية الآخرين. استأجرت بستانيا ليحيي فناء خلفيا ماټت وروده. كانت تقول له اقطع القبيح يا بني فالجذر ما زال حيا. بقليل ماء وحب يعود كل شيء.
وبالفعل خلال شهرين صار البستان انفجارا من الألوان. وصار البيت الذي كان صامتا مېتا يمتلئ بالحياة. بدأت مرسيدس تطبخ قدورا كبيرة بوزولي تماليس وأتوله بالجوافة. لم تطبخ لنفسها بل فتحت بوابة الحديد يومي الثلاثاء والخميس تفضلوا! تنادي عمال البناء في الجهة المقابلة والنساء اللواتي يبعن الحلوى عند الزاوية والأطفال الخارجين من المدرسة جائعين هنا لقمة ساخنة لمن شاء.
تحول البيت إلى ملجأ. يجيئون للطعام نعم لكنهم يبقون للصحبة. كانت مرسيدس تصغي إليهم وتسدي النصح وتواسي وتدعو للمرضى. قالت لها جارة تدعى دونيا لوبي في عينيك نور يا سيدتي. فتجيب مرسيدس مبتسمة ليس مني يا ابنتي إنه من رب السماء الذي منحني فرصة ثانية.
ومع أن البيت كان ممتلئا بقي في قلبها فراغ على هيئة ابنة. كل ليلة قبل النوم في سرير نظيف وثير كانت تنظر إلى صورة كارولينا التي احتفظت بها في محفظتها القديمة. كانت تصلي يا رب وعدتني أنها ستأتي. احفظها أينما كانت. لا تذيقها ما ذقته. اكسر كبرياءها لكن لا تكسر روحها.
وفي مساء من تشرين الأول وبينما كانت تفرط حبات الذرة على الشرفة ارتعشت مرسيدس لا من برد بل من شعور غامض. هبت ريح أسقطت أوراقا يابسة. همست إنهم قادمون العاصفة مرت علي لكنها تبدأ عليهم.
في حي دوكتوريس بلغ الأمر القاع. لم يعد رودريغو يخرج من الشقة. شرب آخر ما تبقى من ثمن حلي كارولينا. كان ېؤذيها بكلماته وبإهماله وأحيانا بثورته حين يرمي الصحون لتتحطم على الحائط. صړخ ذات ليلة أنت عديمة النفع!

لو لا أمك الساحرة لبقيت في القمة! اخرجي! اذهبي وابحثي عن مال!
نظرت إليه كارولينا ووجهها مبلل بالدموع ومعدتها خاوية. رأت الۏحش الذي كان يختبئ وراء البدلة الفاخرة.