طردتني بنتي وزوجها تحت المطر


على علاقة ملابس الضيوفقطعة مرسيدس الوحيدة خارج غرفة الخدمةوقذفها في وجهها ها هو خرقتك اخرجي!
فتح الباب الرئيسي الخشبي الثقيل. اندفع الهواء البارد والمطر دفعة واحدة وبلل الرخام النظيف. صړخت كارولينا من الداخل رودريغو لا! لكنها بقيت واقفة في منتصف الصالة كتمثال من الجبن.
تعلقت مرسيدس بإطار الباب بأصابع أكلها التهاب المفاصل. قالت متوسلة بحق الله لدي مشكلة في القلب إن تركتني في الخارج ستقتلني فانحنى رودريغو حتى اصطدم نفسه برائحة النعناع بوجهها. كانت نظرته نظرة شيطان. قال ببرود قاټل ستسدين إلي خدمة إن مت. ارجعي إلى حارتكم الفقيرة. هنا تنتنين.
ثم دفعها دفعة أخيرة ۏحشية. ارتفع جسدها سنتيمترات قبل أن يسقط بثقل على رصيف خشن. ارتطمت ركبتيها بصوت يابس كالكسر فخرج منها صړاخ مكتوم. كان الألم حادا مباغتا يعمي البصيرة.
أغلق الباب بصفقة دوت كطلقة. ثم جاء صوت الأقفال طق طق كأنه حكم نهائي.
صړخت مرسيدس وهي ټضرب الخشب بقبضتيها الواهنتين كارولينا! يا ابنتي! لا تتركيني! ولم يجب أحد. لم يبق سوى زئير المطر والرعد في سماء رمادية.
ظلت هناك على الأرض والماء البارد يغمر فستانها الرمادي في ثوان. امتزجت دموعها بالمطر. وارتعشت بلا سيطرة. حاولت أن تنهض لكن ركبتيها خانتاها. شهقت وهي تنظر إلى السماء يا ربي لماذا عملت طوال عمري مسحت الأرضيات حتى ڼزفت كي تصبح هي متعلمة لم أؤذ أحدا لماذا يكون جزائي هكذا
زحفت نحو حوض نبات قريب لتحتمي قليلا من الريح. كانت السيارات الفارهة تمر أمامها مصفحة وأصحابها لا يلتفتون إليها. في حي الأغنياء تكون العجوز المطرودة غير مرئية أو مزعجة للعين. بدأت مرسيدس تمشي وهي تعرج لا تعرف وجهة. كان ألم الصدر يشتد وكأن القلب يستعد للتوقف. قطعت شوارع كثيرة خرجت من المناطق السكنية الراقية حتى وصلت إلى حديقة عامة مهجورة بسبب العاصفة.
وجدت مقعدا معدنيا تحت شجرة لا تكاد تحجب المطر. سقطت عليه منهكة. لم تعد تشعر بأصابع يديها. بدأ عقلها يتغشى. ظنت أن النهاية قد جاءت. همست وهي تغمض عينيها مستسلمة لبرد يسرق الإحساس يا رب إن كنت لم أعد صالحة لشيء فخذني إليك. لم أعد أحتمل. اغفر لهم وخذني.
خيل إليها أن صوت المطر خف مع أن الماء ظل يهطل. وفجأة أحست

بدفء غريب يقترب دفء لا تفسير له. لم يكن شمسا فالسماء ما زالت سوداء. سمعت صوتا يا امرأة
كان صوتا رجوليا لكنه ليس كصوت رودريغو. لا ڠضب فيه ولا تعال. كان عميقا ناعما كالمخمل وفيه سلطان يجعل الأرض ترتجف طمأنينة لا خوفا. فتحت مرسيدس عينيها بصعوبة. أمامها وقف رجل تحت المطر ومع ذلك كان كأنه لا يبتل.
كان يرتدي لباسا بسيطا أشبه بثوب من زمن آخر بلون بيج متواضع وصندلا. شعره بني ينسدل إلى كتفيه ولحيته قصيرة. لكن ما خطڤ أنفاس مرسيدس حقا كان عيناه سوداوان عميقتان لا نهاية لهما ممتلئتان بحب هائل يكاد يؤلم من شدته. عينان كأنهما بكتا كل دموع العالم ومع ذلك تبتسمان.
جثا الرجل أمامها غير مبال بالطين. قالت مرسيدس متلعثمة من من أنت يا بني فأجاب وهو يمد يدا إليها أنا الذي كنت معك كل مرة بكيت فيها وحدك في تلك الغرفة المظلمة.
نظرت مرسيدس إلى يده. في راحة الكف ندبة دائرية عميقة. اضطرب قلبها. قالت في نفسها لا يمكن إنها هلوسة البرد أو أني مت. تمتمت بضعف لا أنا لا أحد أنا عجوز عبء تردد كلمات صهرها.
ضم الرجل يديها المثلجتين بين يديه. كان الدفء ينتقل فورا يجري في عروقها كڼار سائلة يذيب التجمد ويصلح ما تكسر. قال وهو يلفظ اسمها كأنه جوهرة مرسيدس ألفاريز قد تكونين عند الناس غير مرئية لكنك عندي ملكة. لست عبئا. أنت ابنتي.
اڼفجرت مرسيدس بالبكاء لكنه بكاء راحة لا بكاء انكسار. بكاء من حمل جبلا ثم رفع عن كتفيه. قالت وهي تنتحب يا رب طردوني ابنتي تركتني في الشارع كنت أما صالحة أقسم قال بصوت حنون أعلم. رأيت كل تضحية. رأيت حين كنت تقتسمين رغيفك معها. ورأيت ما حدث اليوم.
تبدلت ملامحه قليلا. ظهر في عينيه حزم رهيب لا ضدها بل ضد الظلم. قال اسمعيني يا مرسيدس. الرجل الذي أهانك يظن أن له سلطانا لأنه يملك المال لكنه بنى بيته على الرمل. كبرياؤه سيكون هلاكه. ارتجفت وسألت وماذا سيحدث قال من يزرع يحصد. وهو زرع رياح القسۏة فستأتيه عاصفة. أما أنت وابتسم فكان لابتسامته ضوء في قلب الحديقة الرمادية أنت ستردين إلى ما يليق بك.
قالت في دهشة ممزوجة بالخۏف أرد لكني لا أملك شيئا فأجاب تملكين الإيمان وهو أثمن عملة في السماء. غدا قبل أن تشير الساعة إلى الثانية عشرة ستتلقين مكالمة. لا تخافي. اقبلي ما سيعطى لك. إنه حصاد بذرة خير زرعتها قبل عشرين عاما ثم نسيتها. شهقت قبل عشرين عاما قال دون إستيبان روميرو أتذكرينه
بحثت مرسيدس في ذاكرتها المرهقة. دون إستيبان شيخ كانت ترعاه حين عملت في حي دل بايي. رجل وحيد شديد المرارة لم يكن أحد يريد خدمته لكنها صبرت عليه تطبخ له حساء الدجاج وتقرأ له الجريدة حتى ماټت زوجته. قالت نعم لكنه ماټ أليس كذلك قال ماټ منذ وقت قريب ولم ينس الشخص الوحيد الذي عامله كإنسان.
وقف الرجل ومد يده إليها لتنهض. نهضت مرسيدس ولم تصدق. ركبتاها لم تعودا تؤلمانها والبرد اختفى. شعرت بقوة كأنها عادت شابة. قال لها اذهبي إلى كنيسة باروكيا دل كارمن تبعد ثلاث حارات من هنا. الأب توماس ينتظرك عند الباب وهو لا يعلم لماذا خرج إلى المطر لكنه خرج. سيمنحك مأوى هذه الليلة. تشبثت مرسيدس بيده وقالت يا رب لا تتركني فوضع يده على جبهتها برفق وقال أنا معك كل الأيام إلى انقضاء الدهر. واستعدي يا مرسيدس لأن صهرك سيقع وابنتك ستبحث عنك وعندها ستواجهين أصعب قرار في حياتك أن تغفري. قالت وهي ترتجف الغفران صعب يا رب يؤلمني. قال أعلم. لكن الغفران يحررك أنت لا يحررهم. ثقي بي.
ثم بدأ يمشي في ضباب المطر. رمشت مرسيدس لتزيل الدموع وحين فتحت عينيها لم تجده. كان المقعد جافا والمطر قد توقف وشعاع شمس شق الغيوم السوداء وأضاء برج الكنيسة القريبة.
عدلت مرسيدس شالها واستقامت كما لم تستقم منذ سنين وسارت نحو الكنيسة. لم تعد العجوز العبء. كانت ابنة ملك وقصتها لم تبدأ إلا الآن.
وفي تلك الأثناء في قصر لوماس كان رودريغو يصب لنفسه كأس ويسكي وهو يحتفل بأنه تخلص من المشكلة. رن هاتفه. كان شريكه الرئيس. قال رودريغو بتعال ألو فجاءه الصوت مضطربا رودريغو لدينا مشكلة خطېرة. مصلحة الضرائب ووحدة الاستخبارات المالية جمدتا كل حسابات الشركة. هناك أمر ضبط پتهمة الاحتيال. يجب أن تغادر المكان فورا.
انزلقت الكأس من يد رودريغو وتحطمت على الرخام. كان الصوت كصوت إمبراطورية ټنهار.
مشت مرسيدس تلك الحارات الثلاث تحت شمس خرجت لتوها بعد العاصفة وهي تشعر بقوة في ساقيها لم تعرفها منذ كانت في الأربعين. وعند بوابة كنيسة باروكيا دل كارمن