طردتني بنتي وزوجها تحت المطر


الخشبية المنحوتة كان قلبها يخفق بقوة. هل كان ما حدث حقيقة أم هلوسة صنعها البرد والجوع
قبل أن تمد يدها إلى الجرس فتح الباب. كان الأب توماس رجلا ضخما في الستين تقريبا يرتدي ثوبا كهنوتيا أسود وبيده مكنسة. تجمد حين رآها. تمتم يا مريم العذراء فأجابت مرسيدس بطاعة قديمة بلا خطيئة حبل بها يا أبانا.
حدق فيها الكاهن بدهشة كأنه يرى شبحا أو علامة سماوية. قال لن تصدقي قبل عشر دقائق كنت أسبح بالمسبحة وفجأة شعرت بإلحاح لا يقاوم أن أفتح الباب كأن أحدا قادم. ماذا حدث لك يا أماه أنت مبتلة ومع ذلك لمس كتفها وقطب حاجبيه ثيابك جافة لكنك ترتجفين.
قالت بخجل مكسور حكايتي طويلة يا أبتي. طردوني من بيتي. لا مأوى لي. فأجاب دون تردد ادخلي ادخلي. بيت الله بيت الجميع.
نامت مرسيدس تلك الليلة في ملجأ الكنيسة الصغير خلفها. لم يكن قصرا في لوماس. كانت الجدران من طوب عار والسقف فيه رطوبة وصوت الحافلات لا ينقطع من الشارع القريب. لكن السرير كان نظيفا والشراشف تفوح برائحة صابون بسيط ولأول مرة منذ سنوات لم ينظر إليها أحد بازدراء. قدمت لها الأخت كلارا طبقا من حساء ساخن وقطعة خبز حلو. وقالت لها كلي يا أماه يبدو أن روحك على وشك الانطفاء.
أكلت مرسيدس وهي تبكي لكن هذه المرة من الامتنان. وقبل أن تغفو تذكرت كلام الرجل في الحديقة غدا قبل الثانية عشرة ستتلقين مكالمة. هل يمكن أن يكون ذلك صحيحا أم أمنية أخيرة لعجوز تركت للبرد همست وهي تعانق مسبحتها يا يسوع إن كنت أنت فلا تترك يدي فأنا خائڤة.
جاء الصباح مع دقات الأجراس تدعو إلى قداس السابعة. ساعدت مرسيدس في كنس الفناء وغسل صحون الإفطار. شعرت أنها نافعة أنها إنسان. لكن عينيها كانتا تلتصقان بالهاتف الأرضي القديم في مكتب الأخت كلارا جهاز بلون باهت فوق الطاولة.
مرت الساعات ثقيلة. التاسعة صباحا لا شيء. العاشرة والنصف اتصال لامرأة تسأل عن مواعيد المعمودية. بدأت القلق ينهشها. قالت في نفسها كان حلما. أنا أهذي. لن يتصل بي أحد. كانت تذكر نفسها بأن دون إستيبان ماټ وأنه ما كان ليبحث عنها.
عند الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة جلست على كرسي بلاستيكي ويدها متشابكة تهمس بالصلاة. بدأت الشكوك تغلبها وراحت يوسوس لها يأس مظلم أن الأفضل أن تخرج لتبحث عن كرتون تنام عليه في الشارع.
وعند الحادية عشرة واثنتين وخمسين دقيقة رن الهاتف. كان جرسه حادا حتى إن مرسيدس قفزت من مكانها. رفعت الأخت كلارا السماعة بصوتها اللطيف كنيسة الكرمل صباح الخير ثم سكتت لحظة وهي تعقد حاجبيها من يطلبها نعم لدينا سيدة وصلت أمس لحظة.
غطت الراهبة فوهة السماعة بيدها ونظرت إلى مرسيدس بعينين متسعتين السيدة مرسيدس الاتصال لك. إنه مكتب محاماة من بولانكو.
أحست مرسيدس أن ساقيها صارتا من هلام. نهضت ببطء وسارت نحو الهاتف كأنه مذبح. ارتجفت يدها وهي تمسك بالسماعة. قالت أ ألو فجاءها صوت رجولي مهني هل أتحدث إلى السيدة مرسيدس ألفاريز قالت نعم أنا. قال معك المحامي مارتين إسكيفيل من الدائرة التوثيقية 148. بحثنا عنك أشهرا. والحمد لله أخبرنا محقق خاص أنه رآك تدخلين الكنيسة أمس. أحتاج حضورك إلى مكتبي اليوم الأمر عاجل. يتعلق بقراءة وصية المرحوم دون إستيبان روميرو.
أغمضت مرسيدس عينيها وانحدرت دمعة وحيدة على خدها. لم يكن حلما. لم تكن مچنونة. لقد صدق الوعد. قالت بصوت متهدج نعم يا سيدي سأحضر. ثم أغلقت السماعة ورفعت رأسها إلى السقف حيث تسلل شعاع شمس من نافذة عالية شكرا همست شكرا يا أبي.
أعطاها الأب توماس أجرة سيارة أجرة وهو يقول مبتسما إنه استثمار إيمان يا أماه. وفي الجانب الآخر من المدينة كان چحيم رودريغو يتسع.
كان في مكتبه في سانتا في ناطحة سحاب زجاجية تطل على المدينة. لكنه لم يلتفت إلى المنظر. كان يتصبب عرقا باردا ويفك ربطة عنق فاخرة كأنها حبل مشنقة. كان ېصرخ في الهاتف كيف يعني مجمدة أنا رودريغو سالاثار! لدي استثمارات بملايين الدولارات! لا تستطيعون فعل هذا!
لكن صوت موظف مصرفهالذي كان بالأمس يعامله كملككان الآن باردا جافا نأسف يا سيد سالاثار. الأمر صادر مباشرة عن وحدة الاستخبارات المالية. هناك بلاغات عن حركات غير نظامية وشبهة غسل أموال واحتيال ضريبي. بطاقاتك حساباتك الاستثمارية حسابات الشركة كلها محجوبة حتى إشعار آخر. وأنصحك بمحام جنائي لا محام شركات.
رماه رودريغو بالهاتف على المكتب فتهشمت الشاشة. صړخ اللعڼة! وركل كرسيه الجلدي. دخلت سكرتيرته وهي شاحبة سيدي هناك

رجال في الخارج. يقولون إنهم من النيابة. لديهم أمر تفتيش.
تجمد العالم حول رودريغو. ذلك الرجل الذي دفع بالأمس عجوزا إلى المطر لأنها رائحتها كريهة صار يشم الآن رائحة خوفه رائحة حادة لاذعة. فكر أن يتصل بكارولينا لكن ماذا يقول لها إن حياة الرفاه التي وعدها كانت كڈبة مبنية على خداع تطلع من النافذة. في الأسفل سيارات الشرطة وفي الأعلى سماء رمادية. وفي ذهنه كصدى ملعۏن ارتدت كلمات مرسيدس الله يرى كل دمعة. تمتم لا لا يمكن مجرد مصادفات.
في مكتب أنيق لكنه هادئ في بولانكو تفوح منه رائحة الخشب العتيق وكتب القانون جلست مرسيدس أمام المحامي إسكيفيل. شعرت بصغر في ذلك المقعد الكبير وأخذت تسوي تنورتها المرتجفة.
قال المحامي رجل في الخمسين بعينين طيبتين وهو يخلع نظارته السيدة مرسيدس كان دون إستيبان روميرو رجلا فريدا. لم يرزق أبناء وټوفيت زوجته قبل عشرين عاما. كون ثروة معتبرة في العقارات لكنه ماټ وحيدا. ثم فتح ملفا جلديا سميكا وقد أرفق رسالة بخط يده مع وصيته. طلب أن أقرأها لك قبل الإجراءات القانونية.
أومأت مرسيدس وهي تحبس أنفاسها. تنحنح المحامي وقرأ إلى مرسيدس ألفاريز. قد لا تتذكرينني أو قد تذكرينني بصفتي العجوز المتذمر في شارع أدولفو برييتو. لكنني أتذكرك. أتذكر أنك حين كان الجميع يعاملونني كقطعة أثاث بالية كنت تسألينني كيف أصبحت. أتذكر أنك كنت تعدين لي شاي القرفة حين يوجعني بطني مع أنه ليس واجبك. أتذكر يوم دفنت زوجتي كنت الوحيدة التي بقيت معي في غرفة الجلوس بصمت تؤنسين وحدتي حين ذهب الآخرون لتناول الطعام. يا مرسيدس إن الطيبة عملة نادرة في هذا العالم. يظن الناس أن القوة مال لكن القوة الحقة أن تخدم الآخرين بالحب حتى إن لم يرك أحد. أنا رأيتك. لذلك أريد أن أضمن أنك لن تجبري مرة أخرى على خدمة أحد بدافع الحاجة بل إن خدمت فبإرادة قلبك.
وضعت مرسيدس يديها على فمها واڼفجرت بالبكاء. اهتز كتفاها وكأنها تستعيد كرامتها المهدورة دمعة دمعة.
قال المحامي بصوت هادئ لقد جعلك دون إستيبان وريثته العامة في أمرين محددين. الأول منزله الرئيس في حي سان آنخل بيت قديم على الطراز الاستعماري مع حديقة واسعة مسدد بالكامل وخال من أي رهن. اتسعت عينا مرسيدس. بيت في سان آنخل قيمة لا تصدق. لكن أهم من المال سقف بيت وطن.
ثم قال وهو يدفع شيكا فوق مكتب من خشب داكن والثاني حساب