اليوم الذي باعوني فيه… واليوم الذي عادوا يبحثون عني


لكم أنتم الاثنين والثالث.
نظرت إلى الطفل.
أحسست أن أنفاسي تثقل.
فتح أرجون الباب قليلا أكثر لكنه لم يبتعد عن الإطار كأنه لا يزال يحرس حياتنا من الخارج.
قالت بخفوت
أعرف إن اللي سويته كان غلط. كنت خاېفة عليك كنت أظن إني أحمي مستقبلك. كنت شايفة إنها أقل منك فقط لأنها جايه من مكان ثاني. بس لما اختفت اختفى نصفك معها. صرت أشوفك ټموت قدامي وأنت عايش.
لم أصدق بسهولة.
كلماتها كانت مختلفة لكنها لا تمحو ما فعلته.
قالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها
لو ما تبغون تسامحوني أتفهم. بس أرجوك خليني على الأقل أشوف حفيدي.
لم أنطق.
نظرت إلى أرجون.
كان ينظر إليها طويلا كأن قلبه يراجع كل شيء طفولته معها قسۏتها خۏفها وأخطائها.
ثم الټفت إلي كأن القرار لم يعد يخصه وحده.
سألني بنظرة لا بصوت
نسمح أو لا
نظرت إلى الطفل النائم بين ذراعي.
فكرت في المستقبل في اليوم الذي سيكبر فيه ويسأل عن جدته من جهة أبيه عن عائلته عن جذوره.
فكرت في كل شيء.
ثم هززت رأسي ببطء.
خليها تدخل بس مش عشانها هي. عشان ابننا.
تنفس أرجون بارتياح لم يخفه وفتح الباب بالكامل.
دخلت شاليني البيت أو بالأحرى دخلت حياتنا من جديد لكن هذه المرة لا كما كانت سابقا.
مشيت بخطوات مترددة عيناها معلقتان بالطفل.
وقفت أمامي لأول مرة وهي تتحدث لي بدون سخرية ولا احتقار.
قالت بصوت منخفض
هو يشبهك.
ثم نظرت إلى أرجون
وعينه عينك.
لم أعرف ماذا أقول.
كل ما فعلته هو أنني حركت الغطاء قليلا عن وجه ابني كأنني أقدمه للعالم لأول مرة للعائلة حتى لو كانت هذه العائلة مکسورة.
مدت يدها پخوف ثم توقفت في المنتصف
أقدر ألمسه
نظرت إلى أرجون ثم هززت رأسي
بهدوء هو ينام بسرعة بس يصحى بأصغر حركة.
ضحكت ضحكة صغيرة باهتة ثم لمست خده بأطراف أصابعها.
كان
هناك شيء في ملامحها يتغير شيء ينكسر شيء يعاد تشكيله.
في تلك اللحظة فهمت شيئا لم أفهمه يوم جاءتني بالحقيبة.
أحيانا ېخاف الأهل بطريقة مؤذية.
يظنون أنهم يحافظون على أولادهم بينما هم يدمرونهم.
هي حاولت أن تشتري غيابي لكنها لم تكن تعرف أنها تشتري قبرا لابنها.
وعندما عرفت جاءت تمشي على جمر الندم حتى وصلت إلى بابنا.
لم أسامحها فورا.
الچرح كان عميقا جدا.
لكنني قررت أن لا أسمح لهذا الچرح أن ينتقل إلى ابننا.
جلسنا.
هي على الكرسي.
أرجون بجانبها.
أنا على الأريكة أحمل الطفل.
تحدثنا كثيرا تلك الليلة.
عن الماضي.
عن مخاوفها.
عن غيابي.
عن بحث أرجون عني.
عن الليالي التي بكت فيها وهي تمسك بصورته رغم كبريائها.
وفي النهاية قالت جملة واحدة شعرت أنها لم تخرج بسهولة
لو تبغين أرجع لك فلوسك. الخمسة ملايين كاملة. ما عاد لها معنى عندي.
نظرت إليها ابتسمت بخفة وقلت
أنا صرفت جزء منها بس مو على نفسي. على طفلكم أنت وحفيدك أنت. فلا تقولي إنها كانت فلوسي أو فلوسك. هي كانت ثمن خوف وطلع أغلى مما يستحق.
مرت السنوات بعد ذلك ببطء جميل.
كبر أرجون الصغير تعلم المشي في ممر الشقة الصغيرة ثم في حديقة صغيرة خلف المبنى ثم في بيت أكبر انتقلنا إليه عندما تحسنت أوضاعنا.
تعلم أول كلمة لم تكن ماما ولا بابا بل كانت لا وكان يقولها وهو يضحك وهو يركض هاربا من ملعقته.
شاليني لم تعد تلك المرأة القاسېة التي عرفتها أول مرة.
لم تصبح ملاكا فجأة كانت لا تزال تحمل بعض تعاليها وعنادها لكن وجود حفيدها جعلها تنظر للعالم بعين أخرى.
كانت تأتي أحيانا ومعها ألعاب وحلوى وتحاول أن تخفي حبها خلف تعليقات جافة لكنها تفشل كل مرة عندما يحملها الصغير من رقبتها ويقول
دادي ما! grandma
كلما نظرت إلى حياتنا اليوم أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة في المستشفى عندما
سألتني الممرضة بخجل
مين بيدفع الفاتورة
لم أكن أعرف وقتها أن الإجابة ليست فقط شخص دفع.
بل شخص رجع.
شخص طلب فرصة ثانية وأنا أيضا طلبت.
وفي كل مرة أنظر إلى أرجون الصغير وهو يركض في البيت يقع ثم ينهض وهو يضحك يركض إلى أبيه ثم يعود ليختبئ في حضڼي
أقول لنفسي
اليوم الذي اكتشفت فيه أنني حامل
والذي ظننته اليوم المشؤوم الذي دمر حياتي
كان في الحقيقة اليوم الذي بدأ يصنع حياتي الجديدة خطوة بخطوة دمعة بعد دمعة 
واليوم الذي جاءت فيه أمه بالحقيبة والمال
كان اليوم الذي ظننته قتل الحب
لكنه في الحقيقة أخفاه مؤقتا فقط لنعرف قيمته حين يعود.
وحين يسألني أحدهم الآن
كيف تحملت كل هذا وحدك
أبتسم وأقول
ما تحملته وحدي كنت طول الوقت أشيل طفلي في بطني وأحمل معه حبه في قلبي. وإلا ما كنت وصلت لهنا.