اليوم الذي باعوني فيه… واليوم الذي عادوا يبحثون عني


هذه آخر مكالمة بيننا.
تسارعت أنفاسي.
يعني يعني تركت بيتك
هز رأسه.
ما عاد حسيت إنه بيت. البيت الحقيقي اللي أنا أنتمي له فيه أنت وابني.
سال الدمع من عيني دون إذن.
ما أبغى أكون سبب قطيعة بينك وبين أمك.
اقترب وقال بحزم
مش أنت اللي عملتي شي. هي اللي اختارت الطريق هذا. وأنا اخترت أخيرا ما أظل واقف بالنص. طول عمري أعيش بين رضاها وبين سعادتي واليوم فهمت إن رضى الأم الحقيقي ما يجي من خړاب حياة ولدها.
مرت لحظة صمت ثم ضحك ضحكة قصيرة
وبعدين أختي وقفت معي. قالت لها لو ما تقبلتي حفيدك أنا أقبله. أنا مو وحدي في الحړب هذه.
كنت أراه الآن ليس فقط كحبيب بل كأب ورجل قرر أخيرا أن يكون مسؤولا عن قراراته.
بعد أسبوعين خرجت من المستشفى.
بطن طفلي أصبح أنعم وبكاؤه أصبح أقوى وعيناه بدأت تفتحان قليلا.
كان يحمل ملامح صغيرة مني ومنه.
شعره الأسود الخفيف أنفه الصغير شفته السفلى التي تنطبق بطريقة تذكرني بأرجون وهو نائم.
استأجر أرجون شقة صغيرة قريبة من المستشفى في البداية حتى ننهي فحوصات الطفل ومراجعته.
الشقة لم تكن فاخرة لكنها كانت دافئة.
جدرانها عادية لكن وجود سرير صغير في منتصف الغرفة الأولى جعل كل شيء فيها يبدو مختلفا.
في أول ليلة لنا هناك كنت أجلس على السرير أحمل الطفل على صدري وهو يمشي في الغرفة ذهابا وإيابا مرتبكا كما لو أنه ېخاف أن ېلمس شيئا ويكسره.
قلت له بابتسامة
اجلس ترا مو في متحف.
ضحك بخجل وجلس على الأرض أمام السرير يسند ظهره إلى الجدار ثم مد يديه
أقدر أشيله
نظرت إليه بترقب ثم ناولته الطفل بحذر.
كانت تلك اللحظة من أغرب اللحظات.
يداه الكبيرة تحتضنان جسدا صغيرا جدا وعيناه لا تبتعدان عن وجهه حتى للحظة.
قال بصوت منخفض جدا وهو يكلم الطفل كأنه يفهم
أنا آسف جيت متأخر. بس بوعدك ما أتاخر مرة ثانية.
ثم رفع رأسه ونظر إلي
تعرفين لو كان فيه يوم لازم أشكر فيه أمي فهو اليوم اللي قررت فيه تخليني أختبر الحياة بدونك. لأن اللي عشته وأنا أدور عليك علمني قيمة وجودك. علمني قيمة كلمة عائلة.
مرت الأيام ببطء وجمال غريب.
لم تكن حياتنا مثالية.
الطفل كان يبكي في أوقات غريبة.
المال لم يكن وفيرا.
مستقبلي المهني كان مجهولا ومستقبله هو كان مرتبطا بتعب أرجون الذي كان يعمل في عيادته بدوام طويل ثم يعود ليسهر معنا.
لكن رغم كل هذا
كنت أنام وأنا أشعر أنني لست وحدي.
أستيقظ في الليل فأجد أرجون يحمل الطفل ويهدهده يغني له أغنية قديمة سمعها من جدته رغم أنه كان يضحك دائما عندما أخبره أن صوته سيئ.
وفي يوم من الأيام وبعد أشهر من ولادة أرجون الصغير حدث ما لم أتوقعه.
رن جرس الباب.
كنت أظن أن أحد الجيران جاء يطرق بابنا أو عاملة التوصيل.
لكن عندما فتح أرجون الباب تجمد.
وقفت خلفه أحمل ابني رأيت من فوق كتفه امرأة واقفة على العتبة.
شعرها مرتب بعناية ساري أنيق نظرة متعالية أعرفها جيدا.
السيدة شاليني.
والدة أرجون.
تجمد الزمن للحظة.
كأني عدت إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي أتت فيه إلى شقتي الأولى وضعت الحقيبة على الطاولة وقالت لي
خذي المال وابتعدي عن ابني.
لكن هذه المرة مكاننا مختلف وحالتي مختلفة والطفل في حضڼي وأرجون واقف أمامها كجدار.
قالت بصوت حاولت أن تجعله هادئا لكن ارتجافه ڤضحها
أقدر أدخل
لم أتكلم.
أرجون لم يفتح لها الباب بالكامل بعد.
سألها ببرود لم أسمعه منه معها
جاية لي ولا لها
نظرت نحوي عينيها التقتا بعيني وأنا أحمل حفيدها.
لم تكن نظرتها هذه المرة فقط نظرة طبقية فيها شيء من الندم شيء من الخۏف شيء من الاعتراف المتأخر.
قالت
جيت