زوجي حرمني من الورث حكايات صافي هاني


سنة كاملة، ومكتوب في بند الملاحظات إنها هبة من الزوج لزوجته في حياته يعني برة الميراث والوصية خالص ومحدش من الورثة يقدر يلمسها.
ومش بس كده، لقيت كمان عقد ملكية لدفتر توفير باسمي في بنك ناصر الإسلامي، محطوط فيه مبلغ كبير جداً، العائد بتاعه يعيشني ملكة طول عمري، ومكتوب عليه ورق رسمي إن الأرباح بتاعته بتطلع تلقائي جزء منها كصدقة جارية على روحه، والباقي في حسابي الشخصي.
وتحت العقدين لقيت جواب تاني صغير، مكتوب فيه بخط إيده
حبيبتي عائشة.. أنا عارف إن المحامي دلوقتي قال لك إن مفيش ليكي مليم في الوصية، وعارف إن قلبك وجعك. بس أنا عملت كده عشان أحميكي.. الفلوس والأسهم اللي في الشركة وراها ديون ومشاكل وقضايا مع شركاء وممكن تقعد سنين في المحاكم، والكل كان هيطمع فيكي وينهش في لحمك لو ډخلتي معترك الميراث ده بعد وفاتي.
أنا أمنتِك في حياتي يا عائشة.. الفيلا دي بتاعتك ومحدش يعرف عنها حاجة، والفلوس دي حلال بلال ليكي بعيد عن قيل وقال. والشركات والفنادق سبتها لله وللجمعيات عشان ربنا يسامحني، والباقي لقرايبي عشان يسددوا الديون ويفضوا المشاكل اللي وراها.
أنا منستش ال 37 سنة اللي وقفتي فيهم ضهري وسندي من أيام شقة الإيجار القديم.. عيشي مستورة، وافتكريني بدعوة حلوة في صلاتك يا أم عيالي اللي ربنا مأردش يخلفهم بس كنتي ليا الدنيا كلها.. استودعتك الله يا حبيبتي.
مسكت المصحف وضمتّه لصدري وبكيت بكاء عمري ما بكيته قبل كده.. بكاء فرحة وبكاء ندم إني شكيت فيه ولو للحظة.. وعرفت وقتها إن جوزي سابلي الدنيا بحالها، وخرجني من الدنيا دي مستورة ومرفوعة الراس.
قعدت على الأرض وسط الكراتين والدموع نازلة مش راضية تقف، بس المرة دي دموع راحة وندم إني ظنيت فيه سوء ولو للحظة واحدة. بصيت للمصحف اللي في إيدي وبستُه وحطيتُه على راسي، وحسيت فجأة إن البيت اللي كان فاضي وموحش بقا مليان بدعواته وروحه اللي لسه بتحميني.
لمېت الورق والمفاتيح والمصحف في شنطتي، ووقفت على رجلي وأنا حاسة بكرامتي وعزتي اللي رجعوا لي في ثانية. مابقتش خاېفة من بكرة، ولا شايلة هم كلام الناس وقرايبه اللي كانوا بيبصوا لي پشماتة في العزا وكأنهم كسبوا المعركة.
نزلت من الشقة وسبت لهم الجدران والكراتين يشبعوا بيها. أخدت تاكسي وطلعت على العنوان اللي في العقد.. فيلا التجمع. أول ما وصلت وفتحت الباب بالمفتاح الجديد، لقيت جنينة صغيرة وهدوء يرد الروح، والبيت جاهز على السكن ومش ناقصه الهوا.
دخلت صليت ركعتين شكر لله، ودعيت لإبراهيم من كل قلبي إن ربنا يجعله في ميزان حسناته ويجازيه عني خير الجزاء. عرفت وقتها إن العشرة والأصل مابيهونوش على ابن الأصول، وإن إبراهيم ما سبنيش للدنيا تلطش فيا، بالعكس.. ده خرجني من المولد كسبانة ستر
وصحة وراحة بال، وسبقني على دار الحق وهو مأمن غيبتي ومقفل ورايا كل أبواب الحوجة.
مرت الأيام، وبدأت أستقر في بيتي الجديد. كل ركن في الفيلا كان بيحسسني بالأمان اللي إبراهيم خطط له عشان يعوضني بيه عن الصدمة الأولى. قرايبه وأصحابه اللي كانوا فاكرين إنهم ورثوا ورث قارون، بدأت مشاكل الشركات والقروض تظهر ليهم، ولقوا نفسهم غرقانين في قضايا ومحاكم مابتخلصش، وعرفوا وقتها إن إبراهيم الله يرحمه كان باصص لبعيد، وشايلني من الحسبة دي كلها حماية ليا ومش عقاپ.
في يوم الجمعة، لبست عبايتي ونزلت رحت الجامع الكبير اللي إبراهيم بناه ووهبه لله. قعدت في مصلى الحريم، وطلعت المصحف الصغير بتاع والدته اللي كان في الصندوق، وبدأت أقرأ منه قرآن وأوهب ثواب القراءة لروحه.
وأنا خارجة من الجامع، لقيت راجل عجوز من المسؤولين عن دار الأيتام التابعة للجامع، أول ما شافني جه وسلم عليا باحترام كبير وقال لي أهلاً يا ست هانم.. الحاج إبراهيم الله يرحمه كان دايماً يوصينا ويقول الخير اللي بيتعمل في الدار دي كله قايم على حس ورضا الست عائشة، وهي بركتنا اللي بندعي لها في كل صلاة.
ساعتها الدموع نزلت من عيني تاني، بس المرة دي كانت دموع فخر وعزة. عرفت إن إبراهيم ما سابليش مجرد فيلا وفلوس في البنك.. ده سابلي سيرة طيبة، ودعوات من ناس مأعرفهاش بتوصلي بسببه، وحياة هادية ومستورة أعيش فيها اللي باقيلى من عمري وأنا رافعة راسي، وبدعي له في كل سجدة إن ربنا يجمعني بيه في الجنة زي ما جمعنا في الدنيا على الحب والأصل.