اتخانقت انا ومراتي لـ اماني السيد


لما فتحت أمك وأختي الباب، ودخلوا من غير استئذان، ومسكوني، وضړبوني، وشدوا في شعري، وقطعوا هدومي، وبدأوا يقولوا لي كلام جارح، مستهدفين إنني يتيمة ومالي حد كنت في لحظة بحس إن الأرض بتشق وتبلعني.
لكن الألم الحقيقي ما كانش من ضربهم، ولا من كلامهم الألم كان منك. كنت واقف أنت في نص الصالة، شايف كل حاجة، سامع كل كلمة، وعارف إنهم بيضربوا في أضعف نقطة عندي، وإنهم بيستغلوا إنني ماليش سند غيرك. وكنت مستنية منك كلمة واحدة كفاية. مستنية منك توقفهم، وتحميني، وتقول لهم إن دي مراتي، وإنكم مش هتتعاملوا معاها بالشكل ده.
لكنك سكت. وفضلت واقف، وبعدين لفيت ضهرك، ودخلت الأوضة، وقفلت الباب. في اللحظة دي، حسيت إنني ماټت. حسيت إن اللي كنت أعتبره سندي وأماني، هو أول من طعنني في ظهري. أنا ممكن أتحمل أي شيء، لكن مستحيل أتحمل إن اللي اخترته يكون هو اللي يسلم عليّ ويتركني لمن يهينني.
أنا مش هلومك، ولا هطلب منك تبرير، ولا هطلب منك شيء. أنا راجعة أجمع شتات نفسي، وأرجع أعيش الحياة اللي كنت عايشاها قبل ما أتجوزك، بس المرة دي بثقة أكبر، وعرفت إن الكرامة أغلى من أي بيت، وأي علاقة. هناك، حتى لو كنت وحيدة، محدش كان بيقول لي مالكيش كبير عشان يوجعني، لأنني كنت متعودة أقف برجليّا.
مش عايزة منك شيء، ولا عايزة أشوفك تاني. سامحك الله، ويسامحني لو كنت أخطأت في حقك في يوم.
سارة
الورقة وقعت من إيدي على الأرض، ويدي بقت ترتعش أكتر، والدموع اللي كنت بكابر فيها واقفة في عيني، بدأت تنزل من غير إرادة. شعرت بثقل رهيب على صدري، وكأن جبل وقع عليه. بدأت أسترجع كل لحظة، كل نظرة، كل كلمة، وبدأت الحقيقة تضربني كالصاعقة أنا كنت الغلطان الأكبر.
أنا اللي سمحت لهم يدخلوا، أنا اللي سيبتهم يضربوها، أنا اللي خذلت الأمانة اللي كانت في رقبتي. أنا كنت غاضب منها، لكن الڠضب ما كانش مبرر أبدًا أتركها تتعرض للإهانة، خصوصًا من أهلي، وخصوصًا وهم بيعرفوا إنها وحيدة.
جريت على التليفون، وبدأت أتصل بيها، لكن الخط كان مغلق. اتصلت بأصحابها، بالجيران، بأي حد ممكن تكون راحت له، كلهم قالوا إنهم ما شافوهاش. نزلت تحت بسرعة، وسألت البواب، قال لي نزلت من ساعة ونص تقريبًا، كانت لابسة ملابس بسيطة، وشكلها تعبان، وركبت تاكسي ومشيت، وما قالتش رايحة فين.
رجعت للشقة، وقعدت في نفس المكان اللي كانت قاعدة فيه، وبدأت أتخيل حالتها وهي بتكتب الورقة، وهي بتجمع أغراضها، وهي بتخرج من البيت وهي حاسسة إنها بلا ملجأ. بدأت أتذكر أيام الخطوبة، وبداية الجواز، وكيف كانت سعيدة، وكيف كانت تقول لي أنت كل عائلتي دلوقتي. وكنت أضحك وأقول لها وأنا كمان. وطلع الكلام ده مجرد كلام، لما حصلت المحڼة، خذلتها.
بعدها بساعات، جاءت أمي وأختي عشان يطمنوا، أو بالأصح عشان يتأكدوا إنها اتعلمت الأدب. أول ما دخلوا، شافوا وجهي المتغير، والورقة على الأرض، وعرفوا إن في حاجة حصلت.
سألتني أمي ببرود إيه اللي حصل؟ هي فين؟ هربت؟
نظرت لها نظرة ڠضب لم تشوفهاش مني قبل كده، وقلت لها بصوت مرتعش من القهر أيوة هربت! وانتوا السبب! وإنما أنا أكتر منكم سبب! لما دخلتوا وبدأتوا ټضربوها وتهينوها، وقلتوا لها الكلام ده، كنتوا عارفين إنها يتيمة، وإنها مالهاش غيري، وكنتوا بتقصدوا توجعوها! وأنا كنت واقف ومتدخلتش، وده أكبر غلط عملته في حياتي! دلوقتي راحت، ومش عارف ألاقيها، وكل ده بسببنا!
اندهشت أمي، وقالت إيه الكلام ده؟ دي بنت قليلة الأدب، رفعت صوتها عليك، واحنا علمناها الأدب اللي محدش علمهولها! وانت لسه بتدافع عنها؟
رديت عليها پغضب الأدب مش بييجي بالضړب والإهانة يا أمي! والكلام اللي قلتوه ليها ده مش تعليم أدب، ده إهانة لكرامة إنسانة! هي زوجتي، وأنا المسؤول عنها، ومش المفروض حد يتعامل معاها بالشكل ده، حتى لو أنتِ أمي! وأنا اللي أخطأت لما سمحت لكم، وسيبت الغيظ يسيطر عليا، ونسيت إنها أمانة في رقبتي!
خرجت أمي وأختي متعجبتين، وسيبوني لوحدي، وعالمي كله انهار. بدأت أيام تمر، وأنا بحاول أبحث عنها في كل مكان. رحت لبلدها القديمة، سألت الجيران هناك، قالوا لي إنها باعت شقتها القديمة من فترة، ومش عارفين عنوانها الجديد. سألت كل الأصدقاء المشتركين، كلهم قالوا إنها أغلقت كل حساباتها، ومش عايزة حد يعرف مكانها.
مرت الشهور، وبعدها السنين. حياتي بقت فارغة تمامًا. البيت بقي هادئ لدرجة المۏت، مفيش ضحكة، مفيش صوت، مفيش حياة. كنت أروح الشغل، وأرجع، وأقعد لوحدي، وأفكر في كل لحظة، وأعيش ندم مستمر. عرفت إنني خسړت أغلى ما أملك، بسبب غبائي، وبسبب إنني سمحت لأهلي يتدخلوا في خصوصياتي، وبسبب إنني وضعت غيظي فوق كرامة زوجتي.
أمي وأختي حاولوا يقنعوني إنها مش كويسة، وإنها فرحت بالفرصة وهربت، لكن أنا كنت عارف الحقيقة، وكنت عارف إنها راحت لأنها خسړت الأمان اللي كانت بتبحث عنه.
وبعد مرور خمس سنوات كاملة، كنت قد بدأت أتقبل فكرة إنني مش هشوفها تاني، وإنها اختارت تبعد عشان تبدأ
حياة جديدة، وده حقها. لكن القدر كان له رأي تاني.
كنت في يوم في عمل، وجاني اتصال من رقم غريب. رديت، وسمعت صوت رجل يقول لي أستاذ أحمد؟ معاك مستشفى النور