أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ


الحقيقة في النهاية.
لذلك الټفت إلى الطبيب علي.
وسألته أخيرًا السؤال الذي ظل يدور في رأسي منذ اللحظة التي سقط فيها الملف من يده.
من يكون هذا الرجل؟
ساد الصمت مرة أخرى.
نظر الطبيب إلى كاظم.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم أرها على وجهه طوال ذلك اليوم.
وقال
اسمه كاظم.
انتظرت بقية الجملة.
لكن الاسم وحده لم يخبرني بشيء.
لذلك سألته
وماذا يعني ذلك؟
تنهد الطبيب.
ثم قال
عندما كنت طالبًا في كلية الطب كنا نسمع عنه باستمرار.
لم أفهم.
فأكمل
كان من أشهر أطباء الأطفال واستشاريي التشخيص.
شعرت بالدهشة.
ونظرت إلى ثيابه القديمة.
وإلى حذائه البالي.
ثم عدت أنظر إلى الطبيب.
ظننت أنني لم أسمع جيدًا.
لكنه تابع حديثه.
وقال إن كاظم درّس أجيالًا كاملة من الأطباء، وإن اسمه كان معروفًا في المستشفيات والجامعات الطبية، وإنه اشتهر بقدرته على اكتشاف الأمراض المعقدة التي يصعب تشخيصها، وإن كثيرًا من الأطباء كانوا يدرسون حالات طبية ارتبطت باسمه خلال سنوات الدراسة.
ثم أضاف
كان يستطيع أحيانًا ملاحظة شيء من تفصيل صغير لا ينتبه إليه أحد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وسألته
وماذا حدث له؟
قال إنه اعتزل العمل منذ سنوات طويلة.
واختفى عن الأنظار.
ولم يعد أحد يعرف عنه شيئًا تقريبًا.
ثم نظر إلى كاظم وأضاف
لهذا لم أصدق ما رأيته عندما دخلت غرفة الانتظار.
ظللت أحدق في العجوز.
وفي داخلي مزيج غريب من المشاعر.
الامتنان.
والذهول.
والخجل أيضًا.
لأنني كنت أول من ظنه متشردًا.
وأول من انزعج من وجوده.
وأول من أراد إخراجه من الغرفة.
اقتربت منه مرة أخرى.
وقلت
شكرًا.
ابتسم للمرة الأولى.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم قال
احرصي على أن تأخذ علاجها كاملًا.
قلت
هذا كل شيء؟
أجاب بهدوء
هذا أهم شيء.
ثم استدار نحو الباب.
وسار خارجه.
ببساطة شديدة.
دون أن ينتظر تصفيقًا.
أو شكرًا.
أو حتى أن يلتفت خلفه.
خرج كما دخل.
هادئًا.
وصامتًا.
بعد ساعات طويلة بدأت حرارة مريم تنخفض.
ثم قبلت الرضاعة أخيرًا.
ولأول مرة منذ أيام نامت بهدوء بين ذراعي.
جلست بجوار سريرها أراقب صدرها الصغير وهو يرتفع وينخفض مع كل نفس، وأستعيد في ذهني كل ما حدث منذ دخلنا ذلك المستشفى.
تذكرت الطبيب الذي سقط الملف من يده عندما رأى العجوز.
وتذكرت المړض الذي كان يختبئ داخل طفلتي الصغيرة بينما كان الجميع ينظر إليه على أنه مجرد حمى عابرة.
مرض كان يزداد خطۏرة ساعة بعد أخرى، ولم يفضحه سوى تفصيل صغير اختبأ داخل بكائها.
ثم تذكرت الرجل الذي ظننته متشردًا.
الرجل الذي تجنبه الناس.
واستعجل الجميع الحكم عليه بمجرد النظر إلى ثيابه القديمة.. كان الوحيد الذي رأى ما عجز الجميع عن رؤيته.
وعندها أدركت حقيقة لن أنساها ما حييت.
أننا أحيانًا نحكم على الناس قبل أن نسمع منهم كلمة واحدة.
نحكم عليهم من ملابسهم.
ومن شكلهم.
ومن الصورة التي رسمناها لهم في أذهاننا.
فنمنح الثقة لمن يبدو أنيقًا ومحترمًا.
ونتجاهل آخرين لمجرد أن مظهرهم لا يعجبنا.
مع أن الحقيقة لا تسأل عن ثمن الثياب التي نرتديها.
ولا عن شكل أحذيتنا.
ولا عن نظرة الناس إلينا.
فكم من شخص بدا عاديًا في أعين الجميع، وكان يحمل من العلم والخبرة ما يفوقهم جميعًا.
وكم من شخص خدع الناس بمظهره، بينما
كانت قيمته الحقيقية أقل بكثير مما ظنوا.