أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ


اللحظة أنها تختنق.
حدقت في الرجل غير مصدقة.
ثم سألته
كيف عرفت؟
لكنه لم يجب.
واكتفى بالنظر إلى مريم.
بينما شعرت لأول مرة منذ وصولي إلى المستشفى...
أن هناك شيئًا أخطر بكثير من مجرد حمى.
استمر الصمت داخل غرفة الطوارئ لعدة ثوانٍ.
ثوانٍ قصيرة في الحقيقة.
لكنها بدت لي أطول من الساعات التي قضيتها بجوار سرير ابنتي خلال الأيام الثلاثة الماضية.
كنت أنظر من وجه إلى آخر.
إلى الطبيب الذي شحب وجهه.
إلى الطبيب الآخر الذي ما زال يحمل التقرير بيد مرتجفة.
إلى الممرضات اللواتي توقفن عن الحركة فجأة.
وإلى كاظم.
الرجل الوحيد داخل الغرفة الذي لم تتغير ملامحه.
كأنه كان يعرف ما سيكتبه ذلك التقرير قبل أن يخرج من المختبر.
أخيرًا كسر الطبيب علي الصمت.
مد يده نحو التقرير.
قرأه مرة أخرى.
ثم قال بصوت منخفض
أبلغوا قسم الأشعة فورًا.
الټفت أحد الأطباء نحوه وقال بعدم تصديق
هل أنت متأكد؟
رفع الطبيب عينيه عن الورقة.
ثم قال
نفذوا ما طلبته.
لم تكن نبرة شخص يناقش.
كانت نبرة شخص أدرك أن الوقت بدأ ينفد.
في تلك اللحظة شعرت بأن الخۏف عاد إليّ بصورة أعنف من أي وقت مضى.
اقتربت من الطبيب.
وسألته
ماذا يحدث؟
لكنه لم يجب مباشرة.
بل طلب من الممرضات تجهيز مريم بسرعة.
ثم نظر إليّ وقال
سنبدأ العلاج حالًا.
حالًا.
لم يقل بعد ساعة.
ولا بعد انتهاء الفحوصات.
حالًا.
وكان ذلك وحده كافيًا لأفهم أن الأمر أخطر مما كنت أتصور.
بعد أقل من عشر دقائق كانت مريم محاطة بالأجهزة.
والمحاليل.
والأدوية.
وأشخاص يتحركون بسرعة حولها.
أما أنا فكنت أقف في زاوية الغرفة أشاهد المشهد كله بعجز كامل.
لم أستطع مساعدتها.
لم أستطع حتى حملها.
كل ما استطعت فعله هو الدعاء.
والبكاء بصمت.
بينما كان حيدر يقف بجانبي محاولًا أن يبدو قويًا.
لكنني كنت أرى الخۏف في عينيه.
الخۏف نفسه الذي يسكنني.
مر وقت طويل قبل أن يعود الطبيب إلينا.
وكان التعب واضحًا على وجهه.
لكن هذه المرة لم يكن هناك ارتباك.
ولا تردد.
جلس أمامنا.
وأخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال
وصلنا إلى السبب.
تجمدت في مكاني.
وسألته
ما الذي أصابها؟
نظر إلى مريم أولًا.
ثم قال إن الفحص كشف وجود التهاب خطېر في الأغشية المحيطة بالدماغ، وإن الأعراض في بدايتها تشبه أمراضًا كثيرة يراها الأطباء يوميًا، لذلك يمكن بسهولة أن يتم تفسيرها على أنها مجرد حمى أو التهاب عادي، لكن بعض التفاصيل الصغيرة كانت تشير إلى شيء مختلف تمامًا، وأن التأخر لساعات إضافية فقط كان قد يؤدي إلى مضاعفات خطېرة وربما دائمة.
لم أفهم كل المصطلحات التي استخدمها.
لكنني فهمت شيئًا واحدًا.
ابنتي كانت في خطړ حقيقي.
خطړ أكبر بكثير مما تخيلته.
شعرت بضعف في ساقي.
وجلست على أقرب كرسي.
بينما راحت الدموع تنزل من عيني دون أن أشعر.
وفي تلك اللحظة فقط التفتُّ نحو كاظم.
كان ما يزال واقفًا قرب النافذة.
هادئًا.
صامتًا.
وكأن كل ما حدث لا يعنيه.
اقتربت منه ببطء.
ونظرت إليه.
ثم قلت
أنت أنقذت حياتها.
هز رأسه قليلًا.
وقال
الذي أنقذها أنكم جئتم بها في الوقت المناسب.
لكنني لم أقتنع.
لأنني كنت أعرف جيدًا أن الأطباء أنفسهم لم يروا ما رآه.
ولأن التقرير الذي أراد الجميع تجاهله هو نفسه الذي كشف