زوجة ابني


أخيرًا فهمت إن الأهم هو مين هيقف جنبك لما كل المعارك تخلص. السنين عدت بسرعة بعد كده. لوسيا دخلت كلية الطب وبقت من أوائل الدفعة. ماتيو كبر وبقى شاب هادي بيحب الموسيقى ودايمًا يقول إن نفسه يبقى إنسان كويس زي أليخاندرو. أما أليخاندرو نفسه، فشعره شاب أكتر، وصحته بدأت تضعف، لكنه لأول مرة في حياته كان مرتاح. وفي ليلة هادية، بعد سنين طويلة، جمع لوسيا وماتيو في الجنينة اللي بدأت منها الحكاية، نفس المكان اللي وقفت فيه البنت الصغيرة تطلب كوباية لبن. القصر كان منور، لكن المرة دي النور ماكانش جاي من اللمبات كان جاي من الناس اللي بقوا عيلة حقيقية. أليخاندرو طلع ورقة قديمة من جيبه، الورقة نفسها اللي كانت لوسيا مدياله فيها عنوان المستشفى زمان. كانت متنية وقديمة جدًا، لكنه حافظ عليها طول السنين دي كلها. قالهم بصوت ضعيف أغلى حاجة وصلتني في حياتي ماكنتش عقد بملايين كانت الورقة دي. لوسيا دموعها نزلت، وماتيو بص لأخته وهو فاهم أخيرًا قد إيه اللحظة دي غيرت كل حاجة. بعدها بأشهر قليلة، أليخاندرو تعب جدًا، والدكاترة اكتشفوا إن قلبه ماعادش مستحمل. وفي آخر ليلة ليه في المستشفى اللي بناه بإيده، طلب يشوف لوسيا لوحدها. لما دخلت، كان بيبتسم رغم التعب. قالها فاكرة لما طلبتي كوباية لبن؟ هزت راسها وهي بټعيط. فقال إنتِ ماكنتيش بتطلبي لبن يا لوسيا إنتِ كنتِ بترجعيلي إنسانيتي. وبعدها مسك إيدها وقال آخر كلام قبل ما يقفل عينيه خلي النور دايمًا مفتوح يمكن طفل تايه يشوفه يوم. أليخاندرو مونتيس ماټ بهدوء، لكن جنازته كانت مختلفة عن جنازات الأغنيا. ماكانش فيها سياسيين كتير ولا رجال أعمال مهمين كانت مليانة ناس بسيطة. ستات كبار، أطفال، عمال، مرضى، ممرضين، ناس كانت بتقف بالساعات بس عشان تقول شكرًا. ولما شالوا النعش، لوسيا بصت للسماء وهي فاكرة الليلة الأولى، ليلة البرد والجوع والخۏف، وفهمت أخيرًا إن أوقات الحياة كلها بتتغير بسبب باب واحد ما اتقفلش في وش حد محتاج. وبعد سنوات طويلة
جدًا، بقت الدكتورة لوسيا هيرنانديز مديرة مستشفى إسبيرانزا، وكل ليلة قبل ما تمشي كانت تعدي بنفسها على قسم الطوارئ. وفي ليلة مطر قوية، شافت طفل صغير واقف عند الباب شايل أخته وبيبص للنور پخوف. وقتها قلبها دق پعنف، فقربت منه بهدوء وسألته جعان؟ الطفل هز راسه بخجل. فابتسمت وهي تفتكر الماضي وقالت للممرضة هاتيلهم لبن دافي الأول وبعدها ندخلهم. وفي اللحظة دي بالذات، فهمت إن الخير الحقيقي عمره ما بېموت هو بس بيفضل يكبر وينتقل من قلب لقلب، لحد ما ينور الدنيا كلها.