كانت اختي تعيش في بيتي


تعبت من الانتظار. تلك الليلة كان الحي كله يصدر صوت الماء وهو يجري قرب الأرصفة، وإطارات السيارات وهي تشق الوحل، وكلاب تنبح من خلف أبواب البيوت المبللة.
وصل المسعفون وهم مبتلون.
رفعوني على النقالة.
سأل أحدهم
منو يرافقه؟
خفضت مريم عينيها.
حك حيدر ذقنه.
قالت مريم
أنا لازم أبقى يم الولد.
كان كرار في الخامسة عشرة.
أخذ أبو علي محفظتي ومفاتيحي.
قال
أنا أروح وياه.
نظرت إلى أختي من فوق النقالة.
قلت
باچر الساعة تسعة تجي المحامية.
أطلقت مريم ضحكة مصطنعة.
محامية؟ سامر، أنت صرت مضحك.
قلت
وأنتِ صرتِ مُبلّغة.
حين أغلقوا باب الإسعاف، لمحت مريم واقفة تحت إطار بابي.
جافة.
دافئة.
مرتاحة.
أما أنا فكنت مبللاً، أرتجف، وكاحلي مكسور.
لكن للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، كنت أنا الذي أغادر بكرامة.
في الطوارئ أكدوا الكسر.
لم يكن التواءً.
كان كسراً.
ثبتوا ساقي، أعطوني مسكنات، وتركوني تحت المراقبة.
بقي أبو علي معي حتى الثالثة فجراً، جالساً على كرسي بلاستيكي، يشرب قهوة من ماكينة المستشفى، ويرد على رسائل زوجته.
قلت له
آسف لأنني أدخلتك بهذا كله.
قال
أخي، شيء اسمه عائلة، وشيء اسمه استغلال لابس اسم العائلة.
نظرت إلى سقف المستشفى الأبيض.
قلت
أنا اللي خليتهم يدخلون.
قال
نعم. بس أنت ما خليتهم يدوسون عليك.
لم أرد.
لأن الحقيقة أنني فعلت.
قليلاً كل يوم.
عند الصباح، أعادني أبو علي إلى البيت.
قاد السيارة ببطء في شوارع ما زالت مبتلة، نمر قرب محال صغيرة تفتح أبوابها المعدنية، وباعة الشاي والكاهي يجهزون صباحهم، ورائحة الخبز الحار تخرج من الأفران كأن الحياة لم تتوقف لحظة لألمي.
حين وصلنا، رأيت من السيارة أن حيدر وضع صناديق على عتبة البيت.
ليس ليغادر.
بل ليغلق

المدخل.
تمتم أبو علي
شوف الجمال ديكور طفيليات.
ضحكت رغم الألم.
دخلنا بصعوبة.
كنت أسير بالعكازات، والجبس يصل إلى منتصف ساقي، وڠضب هادئ يسندني أكثر من الألمنيوم.
كانت مريم في المطبخ.
تعد البيض.
بمقلاتي.
وببيض اشتريته أنا.
وعلى الغاز الذي أدفع ثمنه أنا.
قالت دون أن تلتفت
زين رجعت. لازم نحچي مثل الكبار.
قلت
ممتاز.
جلست إلى الطاولة.
ظهر حيدر بوجه نعسان.
وجاء كرار خلفه، شعره مبعثر، وسماعاته معلقة على رقبته.
في تلك اللحظة رن الجرس.
عبست مريم.
منو؟
قلت
الشخص الكبير.
فتح أبو علي الباب.
دخلت الأستاذة زينب، محاميتي.
كانت صديقة قديمة من أيام الجامعة، من أولئك الناس الذين لا يرفعون أصواتهم لأنهم لا يحتاجون إلى ذلك.
كانت تحمل ملفاً أسود، ونظارة طبية، وحذاءً مناسباً للمطر، ونظرة قادرة على ترتيب غرفة كاملة دون كلمة واحدة.
قالت
صباح الخير. أنا المحامية زينب العلي، أمثل الأستاذ سامر.
ضحك حيدر بسخرية.
لا والله؟
نظرت إليه زينب مرة واحدة.
فماټت الضحكة في وجهه.
جلست إلى جانبي وأخرجت الأوراق.
قالت
السيدة مريم، السيد حيدر. موكلي سمح لكم بالإقامة في هذا المنزل بشكل مجاني ومؤقت. لا يوجد عقد إيجار. لا تدفعون بدلاً. لا تغطون خدمات. ولا تملكون أي حق ملكية في العقار. من هذه اللحظة، يتم إلغاء إذن الإقامة بشكل رسمي.
ضړبت مريم الطاولة.
أنا أخته!
لم ترمش زينب.
قالت
وهذا ليس سند ملكية.
خفض كرار عينيه.
أما حيدر فشبك ذراعيه.
ما تگدرون تطلعونا هيچ ببساطة. إلنا حقوق.
قالت زينب
طبعاً. لذلك نحن لا نرمي أغراضكم في الشارع. نحن نبلّغكم. لديكم ثلاثون يوماً لإخلاء المنزل طوعاً، وتوقيع اتفاق خروج، وتحمّل أي ضرر إضافي إن وُجد. إذا رفضتم، سيبدأ الإجراء القانوني المناسب. وبالمناسبة، ترك المصاپ دون مساعدة ليلة أمس موثق بشاهد وتقرير طبي.
نظرت إليّ مريم كأنها ترى شخصاً غريباً.
قالت
اشتكيت علينا؟
قلت
ليس بعد. لا تجبريني.
امتلأت عيناها بالدموع.
في الماضي، كانت تلك الدموع تكسرني.
ذلك اليوم، أتعبتني فقط.
همست
أنت ما كنت هيچ.
قلت
كنت. لكني كنت أشعر بالذنب عندما أدافع عن نفسي.
انحنى حيدر فوق الطاولة.
شوف سامر. بدوننا، هذا البيت راح ينهار عليك. منو يساعدك بهذا الجبس؟ منو يطبخ لك؟
ضحكت.
قلت
غريب. البارحة ما كنتوا خدم عندي.
عضّت مريم شفتيها.
كنا تعبانين.
قلت
وأنا أيضاً. منذ ثمانية أشهر.
دفعت زينب ورقة باتجاههم.
قالت
هذا جرد أولي. سيتم تصوير حالة