نعتوه بخريج المدرسة المعفنه حكايات صافي هاني

 أبوكِ يا هانا عشان يرتاح في تربته.
دمعة نزلت من عيني على الورقة.. مش دمعة حزن ولا قهر، دي كانت دمعة الشفقة على ناس ضيعوا حياتهم في الجري ورا السراب، وفي الآخر ملحوقش غير الندم.
قفلّت الجواب، وحطيت المصحف على مكتبي، وغمضت عيني وقولت اللهم إني عفوت عنهم لوجهك الكريم، فاغفر لهم وارحمهم.
حسيت في اللحظة دي إن آخر قيد كان رابطني بالماضي اتقطع واتفك تماماً. مبقاش جوايا أي غل ولا
نقطة ۏجع واحدة.. أنا بقيت حرة، ونفسي راضية ومطمنة.
وقفت، عدلت البالطو الأبيض بتاعي، وخرجت من المكتب عشان أروح لغرفة العمليات.. كان عندي طفلة صغيرة مستنياني بره عشان أرجع لها وشها الجميل، وأنا كنت جاهزة بكل حب وأمل إني أبدأ مع عيلتي الحقيقية.. عيلة المرضى والناس اللي محتاجينلي فعلاً
غرفة العمليات كانت جاهزة، والهدوء اللي فيها كان بيساعدني على التركيز. البنت الصغيرة كانت نايمة في البنج وزي الملاك، وشها اللي اتبهدل من الحروق كان مستني لمسة شفاء.
مسكت المشرط وبدأت أشتغل.. كل غرزة كنت باخدها وكل رقعة جلد كنت بصلحها، كنت بحس إني بخيط چروح قلبي القديمة معاها. الشغلانة دي مابقتش مجرد مهنة بالنسبة لي، دي بقت رسالتي اللي ربنا اختارني ليها عشان أثبت للعالم إن الجمال مش غلاف خارجي بيتأثر بشوية ڼار أو چرح، الجمال هو الروح اللي بتقوم وتكمل رغم كل الۏجع.
بعد أربع ساعات طويله، خلصت العملية. خرجت بره العمليات وأنا بقلع الكمامة وبتنفس براحة. أم البنت جرت عليا وهي بتترعش وبتمسك في إيدي طمنيني يا دكتورة هانا.. أرجوكِ قوليلي إن بنتي هتبقى كويسة؟
ابتسمت لها من قلب الصافي وقولتلها بنتك زي الفل يا أمي.. العملية نجحت بنسبة مية في المية، وفترة وهترجع تضحك وتنور بيتها من تاني، ومفيش أي أثر هيفضل يضايقها.
الست من كتر الفرحة وقعت على الركب وهي بټعيط وتدعيلي ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطري.. ربنا يفتحها في وشك ويرزقك بابن الحلال اللي يصونك ويشيلك في عينيه!
الدعوة دي لمست قلبي قوي، وفي نفس اللحظة لمحت ناثان جاي من آخر الممر وهو شايل في إيده باقة ورد أبيض وجميل، وعينيه كانت بتلمع بفخر واعجاب حقيقي وهو شايفني
وأنا بنقذ حياة الناس.
قرب مني وناولني الورد وقال بصوت واطي ومحترم مبروك نجاح العملية يا دكتورة هانا.. أنا بتابعك من بعيد ومكنتش حابب أقاطعك، بس بجد أنا كل يوم بكتشف إنك إنسانة مفيش منها اتنين في الزمن ده.
شكرته وقولتله الورد ده جميل قوي يا ناثان، شكراً لذوقك.
قال وهو باصص في عيني بجدية هانا.. أنا بقالي فترة برتب للموضوع ده، وبصراحة مبقتش قادر أستنى أكتر من كده. أنا كلمت أهلي، وحابب أطلب إيدك رسمي.. أنا مش عايز من الدنيا دي غير إنسانية زيك تشاركني حياتي ونبني بيتنا على الأصول والرحمة اللي شوفتها فيكِ. تسمحيلي أدخل حياتك؟
بصيت للورد الأبيض اللي في إيدي، وبصيت لناثان اللي صان طريقي ووقف جمبي، وحسيت إن ربنا بعتلي العوض الكبير والكامل في وقته الصح.. العوض اللي يمسح كل دمعة نزلت من عيني زمان وأنا واقفة في حوش بيتنا القديم.
وافقت بابتسامة هادية، وحسيت إن الدنيا بتفتحلي دراعاتها من جديد.
بعد كام شهر، اتجوزنا في حفلة صغيرة وعلى القد في بوسطن، مفيش فيها غير الأصحاب المخلصين والناس اللي بيحبونا بجد، ومرضايا اللي كانوا معازيم الشرف بتوعي. كنت لابسة فستان أبيض مقفول ورقيق قوي، ومكنتش محتاجة أثبت لأي حد إني جميلة.. لأن نظرة الحب والاحترام اللي في عين ناثان والناس اللي حواليا كانت كفاية تخليني أحس إني ملكة جمال العالم كله.
وعرفت ساعتها إن اللي بيسيب حقه لربنا، ربنا بيرجعهوله أضعاف.. والقصة اللي بدأت بكسرة ودموع في أوهايو، انتهت بأحلى فرح وجبر خاطر في بوسطن..