جوزي قدم لي كوباية القهوة وريحتها كانت زي السّم..


اللي كان قاعد في الركن، ضامم نفسه وبيتنفض، مش من الحزن على أمه وبس، لكن من الړعب من اللي جاي.
بعد ساعتين، الدكتور خرج ووشه ميتفسرش. بص لشريف وقال الحمد لله لحقناها.. غسيل معدة فوري، السم كان مركز جداً، لولا إن جسمها قاوم شوية كانت راحت فيها.
شريف وقف، رجله مش شايلة، والدكتور كمل إحنا لازم نبلغ، دي حالة ټسمم جنائي واضح، المادة اللي في ډمها مش حاجة ممكن تتاخد بالغط.
هنا شريف بصلي، وعينيه كانت بتترجاني أسكت. خدته على جنب، بعيد عن عيون الممرضات، وقلت له القهوة اللي ريحتها كانت غريبة دي يا شريف، أنا ملقيتش أغلى من مامتك عشان تذوقها. كنت فاكرني نايمة على وداني؟ كنت فاكر إن الدلع والكلمتين الحلوين هيخلوني أشرب السّم وأنا ببتسم؟
شريف بدأ ينهار، صوته كان بيطلع متقطع أنا.. أنا مكنتش عاوز كده.. هي اللي ضغطت عليا.. قالت لي الورث والمحل والشقة ميروحوش لغريبة.. قالت لي نخلص ونرتاح.
ضحكت بۏجع، ضحكة مكتومة هزت كياني ترتاح؟ ترتاح مني وأنا اللي شلتك وشلتها في عز مرضكم؟ ادخل يا شريف.. ادخل طمن مامتك إن السم اللي طبخته، هي اللي شربته. وصدقني، البوليس لو دخل في الموضوع، الكوباية اللي بدلتها لسه موجودة في البيت، وعليها بصماتك وأنت بتقدمها لي.
شريف وقع على كرسيه، غطى وشه بإيده وبدأ يعيط زي العيال الصغيرة. في اللحظة دي، عرفت إن حياتي القديمة ماټت مع أول رشفة هي شربتها، وإن اللي جاي مش هيكون ندم، هيكون حساب طويل.
دخلت الأوضة لحماتي، كانت بدأت تفوق، وشها شاحب وعينيها مکسورة. قربت من ودنها وهمست حمد الله على السلامة يا ست الكل.. القهوة كانت مظبوطة؟ المرة الجاية خدي بالك، عشان القلوب اللي زي قلبي، ريحة السّم بتفضحها من على بعد متر.
خرجت من المستشفى وأنا باخد نفسي لأول مرة من سنين. الشارع كان فاضي، والهوا بارد، بس جوايا كان فيه ڼار هديت وبقت رماد. مشيت وأنا عارفة إن شريف مش هيقدر يفتح بقه، لا هو ولا أمه، لأن الحقيقة المرة إنهم حاولوا يقتلوا اللي كانت حامياهم، والقدر خلى طباخ السم يدوقه.
من اليوم ده، البيت مابقاش بيت، بقى ساحة حرب صامتة. مفيش كلمة بتتقال، بس العيون بتحكي كل حاجة. شريف بقى بېخاف يبص في عيني، وحماتي بقت تتنفض لو قدمت لها حتى كباية ميه. وأنا؟ أنا بقيت عايشة بينهم زي الشوكة في الزور، مش عشان انتقم، بس عشان أعرفهم إن اللي بيحفر حفرة لغيره، لازم يجهز نفسه إنه أول واحد هيقع فيها.