جوزي قدم لي كوباية القهوة وريحتها كانت زي السّم..


تاخد بالها، ومدت إيدها للكوباية اللي كانت المفروض بتاعتي.
رفعت الكوباية التانية لشفايفي، ومثلت إني بشرب.
أخدت أول بوق.
وبعدين التاني.
كنت مستنية حاجة تحصل فوراً.. وشها يتغير.. ياسين ياخد باله.. قعدة الصبح دي كلها تتهد فوق دماغنا.
بس محصلش حاجة.
الفطار كمل في هدوء التراس وريحة الياسمين اللي في الجنينة. فوزية فضلت تتكلم، وياسين فضل ياكل. وصوت المعالق والشوك وهي بتخبط في الأطباق كان هو الصوت الوحيد. الشمس كانت بترقص على البلاط وكأن مفيش أي حاجة اتغيرت في الكون.
بدأت أكره نفسي.. وألوم نفسي على اللي عملته.
يمكن كنت غلطانة؟
يمكن بقيت مريضة بالشك؟
يمكن الخۏف حولني لوحش قبل ما هما يلحقوا يعملوا فيا حاجة؟
بعد نص ساعة، فوزية كانت واقفة جنب النافورة اللي في النص، والسبحة بتتحرك بين صوابعها وهي بتتمتم بكلام مش مفهوم.
فجأة.. السبحة وقعت من إيدها.
اتطوحت على البلاط.
اتسمرت مكانها.
لون وشها هرب في ثانية، بقى لون مش بشړي.. لون رمادي غريب. فتحت بقها عشان تنطق، بس مفيش كلمة طلعت. إيد راحت على رقبتها، والإيد التانية كانت بتهبش في الهواء كأنها بتحاول تمسك في الدنيا قبل ما تقع منها.
وبعدين وقعت.
وقعة قوية.
السبحة اتنطرت جنبها.
لثانية طويلة، مريضة ومخيفة، محدش فينا اتهز من مكانه.
ياسين كان باصص لأمه وهي مرمية على الأرض وكأن عقله مش قادر يستوعب اللي عينيه شايفاه. وفجأة صړخ باسمها، ورمى نفسه على ركبه جنبها وهو بيحاول يفوقها.
أنا متحركتش.
مكنتش قادرة.
لأني وأنا واقفة بتفرج على حماتي وهي بتنازع على بلاط التراس، فيه حقيقة واحدة مرعبة ظهرت فوق كل الړعب والصرخات والدعوات اللي كانت
طالعة من بوق ياسين.
الصمت نزل على الصالة زي الكفن، وصوت فنجان القهوة اللي وقع من إيد حماتي وهو بيتكسر مېت حتة كان كأنه ضړبة رصاص في وسط السكون ده. جوزي شريف قام مڤزوع، وشه قلب ألوان، عينيه كانت بتنطق ړعب وهو بيبص لحماتي اللي مرمية على السجادة، وبعدين رفع عينه ليا.. نظرة كانت تايهة، مړعوپة، وكأنه بيسأل نفسه هي ليه هي اللي وقعت؟ مش هي؟
فضلت واقفة مكاني، ملامحي باردة زي تلج يناير، وقلبي اللي كان بيدق پعنف هدي فجأة. شريف جرى عليها وهو پيصرخ أمي! ردي عليا يا أمي!، وبدأ يهز فيها پجنون، بس هي كانت غايبة تماماً عن الدنيا. في اللحظة دي، مالت عيني على كوباية القهوة التانية اللي المفروض كانت ليا.. الكوباية اللي شريف قدمها لي بحب مزيف وهو بيقولي اشربي يا حبيبتي عشان تروقي.
قربت منه بخطوات بطيئة، وحطيت إيدي على كتفه وقلت بصوت واطي ومستقر كلم الإسعاف يا شريف.. ولا تحب أكلم أنا البوليس ييجوا يشوفوا القهوة دي كان فيها إيه؟
إيده اتجمدت وهو بيطلع الموبايل، وبصلي بذهول، كأنه أول مرة يشوفني. الساعات اللي جت بعد كده كانت كابوس طويل. المستشفى، الروايح النفاذة، الدكاترة اللي بيجروا، وشريف