علي مدي عشرين عاما


وهو يلعن وېهدد بالمحاكم.
أما إخوته فتبعوه بصمت ثقيل.
وحين أُغلق الباب أخيرًا
شعرتُ أن البيت كله أصبح فارغًا بشكل مختلف.
ليس فراغ مۏت الحاج محمود
بل فراغ الحقيقة بعد انكشافها.
نظر المحامي نحوي وقال
بقي جزء أخير من الرسالة.
جلستُ بصعوبة.
أما سعاد
فجلست إلى جانبي تمسح دموعها بصمت.
فتح المحامي الصفحة الأخيرة وقرأ
يا مروان لا أترك لك هذا المال حتى تشعر أنني سامحتك، فأنا لست نبيًا ولا ملاكًا. أتركه لك لأنك بقيت. بقيت رغم تعبك، ورغم غضبك، ورغم كلماتك القاسېة أحيانًا. هناك رجال يهربون حين يثقل البيت أما أنت فبقيت، حتى وأنت تتذمر.
اختنق صوتي داخل صدري.
وأكمل المحامي
أصلح السقف. سدّد ديونك. واشترِ سيارة جديدة إن أردت. لكن أهم شيء إذا جلس عجوز يومًا على مائدتك ولم يستطع الدفع، فتذكرني قبل أن تسميه عبئًا.
لم أعد أستطيع رفع رأسي.
خرجتُ إلى الساحة الخلفية بعد مغادرة الجميع.
كان كرسي الحاج محمود ما يزال في مكانه قرب المغسلة.
وراديوه القديم صامت لأول مرة منذ عشرين عامًا.
جلستُ على كرسيه ببطء.
لأول مرة.
طوال تلك السنوات كنت أظن أنه سرق مني مكاني.
لكنني أدركت متأخرًا
أن الكرسي كان يحمل شكل غيابه، لا وجوده فقط.
ورفعتُ رأسي نحو السماء وهمستُ بصوت مكسور
سامحني يا حاج محمود لقد فهمت الحقيقة متأخرًا جدًا.
على مدى عشرين عامًا، كان حماي البالغ من العمر تسعة وثمانين عامًا يأكل على مائدتي دون أن يدفع قرشًا واحدًا وكنتُ أعتبره عبئًا حتى ماټ، ثم طرق محامٍ باب بيتي حاملًا ملفًا سلب الهواء من صدري كان الحاج محمود يعيش في الغرفة الصغيرة آخر الممر، بجوار ساحة الغسيل أما زوجتي، سعاد، فكانت تقول دائمًا إن رعايته واجب علينا وأنافي كل آخر شهر، كنت أرى مؤونة البيت تنقص بينما يجلس الحاج محمود يحتسي الشاي وكأن شيئًا لا يحدث لم يكن رجلًا سيئًا كنت أكرر هذه الجملة داخل رأسي حتى لا أكرهه كان فقطرجلًا عجوزًا هادئًا عنيدًا رجلًا نحيلًا يرتدي شماغًا رماديًا، يمشي ببطء نحو المطبخ، يسكب الفول في صحنه، يسخّن الخبز، ولا يسأل أبدًا كم أصبح سعر الزيت أو الغاز أحيانًا كان يقول الله يرضى عليك يا ولدي لكن تلك الكلماتلم تكن تدفع فاتورة الكهرباء ولا ثمن الدواء ولا أجرة البيت على مدى عشرين عامًا، كنت أعمل في ورشة ميكانيك داخل دمشق، أعود منهكًا ويديّ مغطاتين بالشحم الأسود، ثم أجد الحاج محمود جالسًا على كرسيي، يستمع إلى المذياع ويغمس الخبز الحلو في الشاي كانت سعاد تدافع عنه دائمًا إنه أبي يا مروان وليس لديه أحد فأجيبها بضيق ونحن أيضًا بالكاد نستطيع تدبير أمورنا فتبكي وأصمت أنا أما الحاج محمودفكان يتظاهر بأنه لم يسمع شيئًا وهكذا مرت السنوات أعياد وأمراض وديون وكثير من الصمت كبر أولادي وهم يتشاركون غرفة واحدة لأن الجد كان يشغل الغرفة الوحيدة الإضافية وبعتُ سيارتي القديمة حتى أدفع تكاليف عملية المياه البيضاء له وأجلتُ إصلاح السقف لأن ثمن دوائه كان أهم وكلما غضبتُكان يخفض رأسه ويقول بصوت مكسور سامحني يا ولدي يبدو أنني أثقلت عليكم كثيرًا وكانت تلك الجملة تثير ڠضبي أكثر لأنها كانت مليئة بالحزن ولأنهاتحققت فعلًا يومًا ما وجدناه ذات صباح جالسًا على كرسيه في الساحة الخلفية، وطاقيته فوق ركبتيه، بينما ما يزال المذياع يعمل قربه بدا وكأنه نائم صړخت سعاد وركضتُ نحوه لكن الحاج محمود كان قد رحل بالفعل كانت جنازته بسيطة قليل من المعزين وكثير من الصمت أما أبناؤه الآخرون فجاؤوا متأخرين، بكوا بصوت مرتفع، ثم غادروا بسرعة اقترب
أخوه الأكبر،
سامي، وربت على كتفي قائلًا يبدو أنك ارتحت أخيرًا يا مروان لم أجب لأن جزءًا بشعًا داخليكان يفكر بالأمر نفسه وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، بقي كرسي الحاج محمود فارغًا لكنني لم أشعر بالراحة بل شعرتُ بالذنب بعد ثلاثة أيامطرق أحدهم الباب كان رجلًا يرتدي بدلة داكنة، ويحمل حقيبة جلدية، وصوته جاد وبارد سأل هل الأستاذ مروان السالم موجود؟أجبته نعم، أنا هو قال بهدوء جئتُ بتكليف من المرحوم الحاج محمود ظهرت سعاد خلفي فورًا، وقد شحب وجهها أبي؟أومأ الرجل برأسه ترك تعليمات واضحة جدًا ورسالة لا تُسلَّم إلا بعد دفنه وبعد ساعة تقريبًا، وصل سامي مع إخوته كانت رائحة عطورهم الثقيلة تسبقهم، بينما كانت الطمع واضحًا في عيونهم قال سامي بسخرية رسالة؟ وماذا سيترك رجل عاش عالةً على غيره عشرين سنة؟لكن المحامي لم يبتسم فتح حقيبته الجلدية بهدوء ثم أخرج ملفًا سميكًا وبعده كيسًا قماشيًا قديمًا ثم ظرفًا أصفر كُتب عليه اسمي بخط الحاج محمود المرتجف مروان لم يكتبلابنتي ولم يكتب لأبنائي بل كتب اسمي أنا قطّب سامي حاجبيه لا بد أن هناك خطأ أجاب المحامي ببرود لا يوجد أي خطأ شعرتُ فجأة بأن ساقيّ لم تعودا تحمل انني لأن الطاولة لم تكن مليئة بالأوراق فقطبل بسنوات كاملة لم أفهمها يومًا كانت هناك إيصالات قديمة وصور باهتة ودفتر أزرق مليء بالأرقام والتواريخ وعشرون عامًا من شيء لم أكن أريد رؤيته تنحنح المحامي وقال قبل الحديث عن الممتلكات أوصى الحاج محمود أن يستمع الأستاذ مروان إلى هذه الرسالة أمام العائلة كلها فتح الظرف ببطء وشدت سعاد على يدي بقوة أما ساميفتوقفت ابتسامته أخيرًا ثم قرأ المحامي السطر الأولوكان كافيًا ليقسم روحي إلى نصفينيا مروان أعلم أنك ظننتَ طوال هذه السنوات أنني لم أقدّم شيئًا، لكن كل لقمة أطعمتني إياها كانت السبب الذي جعلني أخفي كل شيء باسمك الجزء الثانيلكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الرسالة نفسها بل في الشيء الذي وجده المحامي داخل الكيس القماشي القديم أمام الجميع.