علي مدي عشرين عاما


ذلك اليوم.
لأنني أنا أيضًا أردت أن أعرف السبب.
عاد المحامي إلى الرسالة
ستغضب مني لأنني لم أُخرج المال مبكرًا ومن حقك ذلك. لكن أولادي أخذوا مني البيت الأول بعد ۏفاة زوجتي. وثقتُ بهم فوقّعت الأوراق فتركوني بلا شيء ظاهر. ولو علموا أنني ما زلت أملك شيئًا، لأغلقوا عليّ بابًا في مكان لا يسأل فيه أحد عن العجائز.
بدأت سعاد تبكي.
ليس كما بكت في الچنازة
بل بكاء امرأة اكتشفت أنها لم تكن ترى الحقيقة كاملة.
لهذا السبب لم أرد لأحد أن يعلم. حتى أنتِ يا سعاد سامحيني يا ابنتي. قلبك كان طيبًا أكثر مما ينبغي، وسامي كان يعرف كيف يستغل ذلك.
اقترب سامي من المحامي غاضبًا
ذلك العجوز لم يكن بكامل عقله.
وهنا فقط
تكلمت نور لأول مرة
لا تقل عنه عجوز بهذه الطريقة.
خرج صوتها مرتجفًا لكنه ثابت.
استدار سامي نحوها
اصمتي أنتِ.
لكن أحمد وقف أمام أخته فورًا
أختي أنهت الجامعة يا خالي وأنت ما زلت تعيش على تعب الآخرين.
ساد الصمت.
وشدّ سامي قبضتيه پعنف
لقد غسلوا أدمغتكم.
وهنا
وجدتُ صوتي أخيرًا.
قلتُ بهدوء متعب
لا الذي غسل عقلي هو فقري وخۏفي.
نظر الجميع نحوي.
وجلست ببطء لأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
لعشرين عامًا
كنتُ أعدّ الأرغفة وكأن كل رغيف إهانة جديدة.
كنتُ أراه يأكل الفول وأظن أنه يسرقني.
ولم أسأل نفسي يومًا
ماذا سُرق منه قبل أن يصل إلى بيتي، حاملًا شماغه الرمادي وكلمة
الله يرضى عليك يا ولدي.
أخرج المحامي الكيس القماشي وقال
وهذا أيضًا لك.
فتحته ببطء.
كان داخله شماغ الحاج محمود.
وتحته عشرات الإيصالات القديمة.
لكنها لم تكن إيصالاته
بل إيصالاتي
أنا.
أقساط مدرسة نور.
إصلاح الثلاجة.
دفعة القرض المتأخرة.
رسوم جامعة أحمد.
رفعت رأسي نحو المحامي
لكنني أنا من دفع كل ذلك.
قال بهدوء
أحيانًا نعم وأحيانًا كان الحاج محمود يدفع ما ينقص بصمت. لم يكن يريدك أن تعرف.
شعرتُ أن صدري يضيق
كيف؟
كان يبيع بعض القطع القديمة، ويقبض الإيجارات، ويغطي
الفرق عبر أصحاب الدكاكين. حتى أم نبيل، صاحبة البقالة، كانت تعرف الأمر.
وتذكرتُ أم نبيل فورًا.
كم مرة قالت لي
ادفع لاحقًا يا مروان.
وكنت أظن أنها تشفق عليّ.
بينما كان الحاج محمود يقف خلف كل شيء
صامتًا.
كما عاش دائمًا.
عاد المحامي إلى الرسالة
لم أرد شراء محبتك بالمال. أردت فقط حماية ما تبقى منك. نعم، كنتَ قاسيًا أحيانًا لكنك لم تكن شريرًا. هناك رجال يتحول تعبهم إلى ۏحشية. أما أنت، فتحول إلى مرارة فقط وذلك كان يمكن إصلاحه.
غطيت وجهي بيدي.
لم أرد البكاء أمام سامي.
لكنني بكيت.
ركعت سعاد بجانبي
مروان
همستُ بصوت محطم
قلتُ عنه عبئًا قلتها مرات كثيرة.
ضمتني سعاد بقوة
وأنا أيضًا تركته وحيدًا مرات كثيرة خوفًا من المشاكل، وخوفًا من إخوتي، وخوفًا منك.
ضحك سامي بسخرية
جميل أصبحتم جميعًا ملائكة الآن. لكن الإرث لنا، نحن أولاده.
أغلق المحامي الملف وقال
وقد ترك لكم شيئًا بالفعل.
انتبه سامي فورًا.
واقترب إخوته من الطاولة بلهفة واضحة.
أخرج المحامي ثلاثة ظروف بيضاء.
ثم قال
رسالة لكل واحد منكم وليرة واحدة فقط.
تجمد سامي
ماذا؟!
قال المحامي
الحاج محمود أوصى بذلك بنفسه. قال إنها ليست نسيانًا بل رمزًا.
تشوه وجه سامي من الڠضب
سأطعن في الوصية!
هذا حقك.
وسأثبت أن مروان تلاعب به!
نظر المحامي حوله
إلى الجدران الرطبة، والسقف المتشقق، والبيت البسيط الذي عشت فيه سنوات طويلة.
ثم قال بهدوء
أتمنى لك حظًا جيدًا في إقناع القاضي أن الرجل الذي اشتكى عشرين عامًا من مصاريف حمايه كان يخطط للاستيلاء على أملاكه.
انقض سامي نحو الطاولة پغضب.
لكن أحمد أمسكه قبل أن يصل إليّ.
تعالت الأصوات.
وتحركت الكراسي پعنف.
وبدأت سعاد تبكي.
أما نور
فكانت ترتجف من الخۏف والڠضب معًا.
وأشار سامي نحوي
كنتَ دائمًا فقيرًا وجائعًا لهذا اختارك أبي!
وقفتُ أخيرًا.
ولأول مرة منذ سنوات
لم أعد أخاف من قول الحقيقة.
قلتُ بهدوء
لم يخترني لأنني الأفضل بل لأنكم كنتم الأسوأ.
ساد الصمت بعدها طويلًا.
حتى سامي نفسه
لم يجد ما يقوله.
غادر البيت