رحله جويه حكايات صافي هاني


التحفظ، وكل مليم دخل جيبه من السبوبة دي هيتجاب. يعني يا رضوى، مفيش شركات، ومفيش فساتين، ومفيش منظرة بالفيرست كلاس تاني.. إنتي من هنا ورايح لو لقيتي تذكرة في الأوتوبيس هتبوسي إيدك وش وظهر.
رضوى صړخت يعني إيه؟ هتحبسي جوزي وتخربي بيتي يا إلهام؟
بصيت لها وعيني في عينها أنا مابخربش بيوت يا رضوى، أنا بحمي بلد. القانون هياخد مجراه، والواسطة اللي بتدوري عليها ماټت من قبل ما تتولد في المكتب ده.
شاورت للمساعد يدخل يا عسكري، خد الجماعة وصلهم لأقرب بوابة برة المقر العسكري.. والزيارة دي ما تتكررش تاني.
أمي اللي ما نطقتش ولا كلمة من الصدمة، لفت وبصتلي وهي خارجة ودموعها نازلة، كأنها ندمانة على كل لحظة صغرتني فيها عشان ترضي أختي وجوزها.
خرجوا تلاتتهم يجروا أذيال الخيبة، والطيارة اللي كانت طالعة عشان يحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين، بقت هي الطيارة اللي كتبت نهاية عزهم المزيف.
أما أنا، فقعدت في مكتبي، عدلت جاكتتي البديلة، وكملت قهوتي وأنا عارفة إن من اليوم ده.. ماحدش في العيلة دي هيجرؤ يرفع عينه فيا، ولا يفكر مجرد تفكير، يقعدني ورا.
مرت تلات شهور على واقعة الطيارة.
في ال 90 يوم دول، الحياة اتت واتقلبت راساً على عقب. القضية اتقفلت بأسرع ما يمكن لأن الأدلة الرقمية اللي سحبتها من اللابتوب بتاع شريف كانت حرز حاسم مفيش فيه ثغرة واحدة. المحكمة العسكرية حكمت عليه بالسجن المشدد 15 سنة پتهمة التخابر غير العمدي وتسريب وثائق أمن قومي تضر بمصالح البلاد، مع مصادرة كل أمواله وأملاك شركته شريف للأنظمة الجوية.
رضوى أختي اتقلب حالها 180 درجة. الفيلا اللي في التجمع اتسحبت لأنها كانت باسم الشركة، والعربيات الزيرو اتقيدت تحت التحفظ. اضطرت تأجر شقة صغيرة قانون جديد في منطقة شعبية، وبقت تنزل تدور على شغل بمرتب بسيط عشان تصرف على نفسها، بعد ما كانت مابتمشيش غير بمصاحبة السواق والشغالة.
أما أبويا وأمي، فالعزلة والكسرة بانوا عليهم. الجيران والمعارف في النادي لما عرفوا بالفضائح وقصة شريف، بطلوا يتعاملوا معاهم، وبقت نظرات الشفقة والهمس تلاحقهم في كل مكان.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في بيتي بجهز حاجتي عشان عندي مؤتمر أمني برة مصر الصبح. الباب خبط. فتحت لقيت أبويا واقف، لوحده.
كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في الكام شهر دول. ظهره محڼي، ونظرة الكبرياء والتعالي اللي كانت في عينيه دايماً اختفت تماماً. وقف على الباب ومرديش يدخل غير لما شاور تله ب إيدي.
إزيك يا إلهام يا بنتي؟ قالها بصوت واطي ومبحوح.
الحمد لله يا بابا. اتفضل.
قعد على طرف الكرسي، وفضل يبص في الأرض شوية، وبعدين رفع عينه ليا وقال أنا جاي أقولك كلمتين يا بنتي قبل ما تمشي.. أنا مش جاي أطلب واسطة لشريف، إحنا عرفنا خلاص إنه يستاهل كل اللي جرى له، وإنتي حميتي عِرضنا وبلدنا من مصېبة. أنا جاي أعتذر لك إنتي.
سكتت وسيبته يكمل.
دمعة نزلت من عينه وهو بيقول أنا وأمك غلطنا في حقك كتير. كنا دايماً بنشوف رضوى وجوزها هما الواجهة، هما الفلوس والمنظرة، ونسينا إن الذهب الحقيقي كان قاعد وسطنا في صمت. إحنا اللي قعدناكي ورا يا إلهام في حياتنا قبل ما هي تقعدك في الطيارة.. سامحينا يا بنتي.
بصيت لأبويا، وحسيت بمزيج من الشفقة والعدل. الۏجع اللي عيشوهوني سنين اتمحى في لحظة، بس الدرس كان لازم يكمل للاخر.
وقفت، وقربت منه وحطيت إيدي على كتفه المسامح ربنا يا بابا. أنا عمري ما شلت منكم، بس كنت دايماً
بتمنى إنكم