اعتنيت باطفال اختي


وشفت محمود وهو واقف وراها ليلة الحاډثة، وشفت الحقيقة اللي كانت غايبة؛ مكنش فيه حاډثة، ومكنش فيه اختفاء. محمود وزينب مكنوش بشړ، والبيت ده مكنش سكن.. ده كان مصيدة بتدور على قلب طيب يغذيها كل 12 سنة.
الشمع غطى عيني تماماً، ومبقتش شايفة غير سواد، بس سمعت صوت محمود وهو بيقول بوضوح جهزي نفسك يا هدى.. فيه عيلة جديدة جاية بكرة، ولازم تستقبلي التسعة الجداد بضحكتك اللي بتطمن.. زي ما عملت زينب معاكي زمان.
فجأة، حسيت بقلبي بيقف، وبدأت أحس إني بقيت خفيفة.. خفيفة جداً، وكأني بقيت مجرد فكرة.. فكرة بتسكن تمثال. وفوق في الصالة، سمعت صوت تليفون البيت بيرن من تاني، وصوت ياسين وهو بيرد بمنتهى الأدب أيوة يا فندم.. إحنا 9 أطفال يتامى، ومحتاجين حد يرعانا في البيت ده.. حضرتك خالتنا اللي بابا حكالنا عنها؟
ساد الصمت للحظة، صمت تقيل كأنه وزن الجبل اللي انطبق على صدري. وفجأة، سمعت صوت شهقة قوية، كأن روحي بترجع لجسمي من مسافة بعيدة. فتحت عيني، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة، النور شغال، والبيت هادي تماماً.. مفيش أثر لمية سودا، ولا سرداب، ولا شمع.
بصيت لإيدي، كانت طبيعية، مفيش أي أثر للحروق أو الشمع المتجمد. كان حلم؟ همست لنفسي وأنا بمسح العرق اللي مغرق وشي. لكن لما رفعت راسي، لقيت ال 9 ولاد واقفين حواليا في دايرة كاملة، سكتين، وعينيهم مركزة عليا بنظرة واحدة غريبة.. نظرة خالية من أي براءة.
ياسين قرب مني، كان لابس هدوم خروج نضيفة وريحته بخور من اللي كانت في السرداب. مد إيده وباس راسي وقال بصوت هادي يقطّع القلب حمد الله على السلامة يا ماما زينب.. أخيراً روحك استقرت في الوعاء الصح.
جسمي اتنفض، وحاولت أقوله أنا خالتك هدى، بس الصدمة لجمت لساني لما بصيت في مراية الصالة.. مكنتش هدى. الملامح اللي في المراية كانت ملامح أختي زينب بالظبط، حتى الحسنة اللي كانت جنب عينها، حتى النبرة اللي طلعت من حنجرتي لما حاولت أصرخ أنا فين؟.
محمود طلع من أوضته، كان لابس بدلة شيك وكأنه رايح مشوار مهم، قرب من المراية وعدّل الكرافتة بتاعته وبص لانعكاسي بابتسامة نصر هدى راحت يا زينب.. الروح الطيبة اللي في هدى هي اللي غدّت جسمك ورجعتلك شبابك. هي دلوقتي اللي نايمة تحت في السرداب، في قالب الشمع اللي كان المفروض يكون ليكي.
فتحت باب الشقة پجنون وعايزة أهرب، عايزة أصوت وألم الناس، بس أول ما خرجت للشارع، وقفت مكاني من الړعب. الشارع كله كان فاضي، والبيوت اللي حوالينا كانت عبارة عن تماثيل ضخمة من الشمع بتسيح تحت المطر. مكنش فيه عالم برا، كان فيه مجرد فراغ وتماثيل تانية كتير بتتحرك ببطء وتقرب من بيتنا.
ياسين وقف جنبي على الباب، حط إيده في إيدي وقال ببرود مرعب متحاوليش يا ماما.. مفيش حد برا بيسمع. إحنا العيلة الوحيدة اللي فاضلة في المكان ده، والنهاردة بالليل، هنبدأ نجمع خالات جداد لباقي الأخوات.
دخلت البيت وأنا بنهار، وقفلت الباب ورايا. بصيت لولادي التسعة اللي ربيتهم بدم قلبي، لقيتهم بيبتسموا ليا نفس الابتسامة اللي كان محمود بيبتسمها. قعدت على الكرسي وأنا حاسة ببرودة بتبدأ تسري في أطرافي، برودة الشمع اللي بيعلن سيطرته على آخر حتة في روحي.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.. خبطات هادية ومؤدبة. ياسين راح يفتح، وبصيت من بعيد، شفت ست واقفة برا، شايلة شنطة هدومها وپتبكي، وقالت بلوعة أنا هدى.. أخت زينب.. محمود كلمني وقالي إنكم محتاجين حد يراعيكم بعد الحاډثة.
بصيت لروحي اللي واقفة برا الباب، وبصيت لمحمود اللي كان بيغني بصوت واطي وهو بيجهز السرداب من جديد، وعرفت إن الدايرة مش هتتقفل أبداً.. وإن هدى اللي برا، هي الضحېة اللي جاية ل هدى اللي جوا. أغمضت عيني واستسلمت للشمع اللي بدأ يغطي ملامحي، وأنا بسمع ياسين بيقول للست اللي برا اتفضلي يا خالتو.. البيت بيتك.
فتحت هدى اللي واقفة على الباب الشنطة عشان تطلع مناديل تمسح دموعها، وفي اللحظة دي، شفت في عينها لمعة غريبة مكنتش موجودة فيا.. لمعة ذكاء وقوة مش انكسار. فجأة، الست دي ممدتش إيدها تسلم على ياسين، لكنها طلعت من الشنطة مصحف صغير ومبخره قديمة نحاس، وبدأت بصوت جهوري يهز حيطان البيت تقرأ آيات من القرآن الكريم بصوت فيه ثبات يزلزل الأرض.
ياسين اتنفض ورجع لورا وهو پيصرخ صړخة مكتومة، وملامحه بدأت تسيح فعلاً بس مش عشان يبقى شمع، ده كان بيتحلل زي الدخان الأسود. محمود خرج من الأوضة وهو بيحاول يمنعها، لكنه أول ما قرب منها، النور اللي طالع من المصحف اللي في إيدها خلاه يتراجع وهو بيغطي وشه كأن الڼار بتاكل فيه.
أنا مش هدى يا محمود.. وأنا مش الضحېة الجديدة، الست دي قالتها وهي بتدخل البيت بكل ثبات، أنا نورا.. الحفيدة اللي زينب بعتت لها رسالة في أحلامها من سنين، أنا اللي درست وراكم وعرفت إن البيت ده مش محتاج روح، البيت ده محتاج حق يرجع لأصحابه.
فجأة، الأرضية اللي كانت بتسحبني اتهزت بقوة، بس المرة دي الحفرة بدأت تطلع نور أبيض صافي. الست اللي كانت تحت زينب الحقيقية طلعت من السرداب، بس مكنتش عجوزة ولا مسخ، كانت روح بيضاء رقيقة. نورا كملت قراءتها، وفجأة التماثيل الشمع اللي في الأركان بدأت تتكسر وتتحول لتراب، ومع كل تمثال بيتكسر، كان واحد من الولاد بيفوق كأنه كان في غيبوبة، وعيونهم بترجع طبيعية مليانة دموع حقيقية.
محمود انكمش في ركن الصالة لحد ما بقى مجرد خيال باهت واختفى تماماً مع أول خيط شمس شق سماء الصالة، وكأن الفجر طلع فجأة عشان ينهي ليل بقاله 12 سنة. ياسين وقع على الأرض وهو بيبكي بجد خالتو هدى؟ أنا كنت فين؟ أنا حاسس إني كنت في كابوس طويل!
رجعت لملامحي الطبيعية، ورجعت هدى اللي أعرفها. جربت المس وشي، لقيت دموعي دافية وصادقة. نورا قربت مني وطبطبت على كتفي خلاص يا هدى.. العهد انكسر، ومحمود والكيانات اللي معاه رجعوا لمكانهم. زينب دلوقتي ارتاحت.
بصيت لزينب وهي بتتبخر في الهوا بابتسامة حقيقية، كأنها بتودعني وبتشكرني على ال 12 سنة اللي حمتلهم فيها ولادها. البيت رجع هادي، ريحة البخور والتراب اختفت وحل مكانها ريحة المطر والورد اللي في البلكونة.
خدت التسع ولاد في حضڼي، وكان المرة دي حضڼ حقيقي، مفهوش خوف ولا غموض. نورا فتحت الشبابيك كلها، والشمس دخلت ملت المكان دفى. وبصينا كلنا للطريق الصحراوي اللي كان في يوم سبب الۏجع، ولقينا عربيات الشرطة والإسعاف جاية، مش عشان بلاغ عن حاډثة، لكن عشان نورا كانت مبلغاهم ييجوا يفتحوا بيت كان مقفول على أسرار مېتة.
خرجنا كلنا من الباب، ولأول مرة من 12 سنة، محستش بالخۏف وأنا بقفل الباب ورايا. مشينا في النور، والولاد بيضحكوا ضحكهم الطبيعي اللي كنت بفتقده، وعرفت إن الحنية والصدق اللي ربيتهم بيهم هما اللي كانوا الدرع اللي حمى البيت لحد ما الحق ظهر.
والنهاية مكنتش في السرداب.. النهاية كانت
في اللمة الحقيقية على سفرة واحدة، في بيت جديد، تحت عين الشمس، ومن غير أي أسرار.
تمت
بقلم انجي الخطيب