اعتنيت باطفال اختي


وقف فجأة، وحل مكانه صوت نهجان تقيل، صوت حد بيحاول يفتكر إزاي يتنفس.
نزلت أول درجة ورجلي بتترعش، وياسين نور كشاف موبايله. السلم كان آخره أوضة صغيرة جداً، جدرانها متغطية بورق جرايد قديم من سنين فاتت، وفي الركن كان فيه سرير حديد مصدي وقاعدة عليه ست.. شعرها أبيض طويل ومغطي وشها كله، ولابسة هدوم كانت في يوم من الأيام فستان فرح زينب اللي ضاع ليلتها. الست رفعت راسها ببطء، وعينها لما جت في عيني، صړخت صړخة مكتومة، ومدت إيدها اللي عبارة عن جلد على عضم وقالت بصوت ملهوش علاقة بالبشر تأخرتي ليه يا أختي؟ محمود قال إنك هتيجي تاخدي مكانك عشان أمشي أنا.
الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة، رجلي ملمستش الأرض وبقيت ساندة على جدار السرداب البارد وأنا مش مصدقة. آخد مكاني؟ زينب.. أنتي بتقولي إيه؟ صوتي طلع مبحوح، والست اللي قدامي بدأت تضحك ضحكة هستيرية، ضحكة خالية من أي روح، وهي بتشاور بإيدها المرتعشة على ركن الضلمة اللي وراها.
بصيت مطرح ما بتشاور، وشفت حاجة خلت عقلي يطير؛ كان فيه تسع تماثيل من الشمع، معمولين بدقة مرعبة، كل تمثال فيهم نسخة طبق الأصل من واحد من الولاد اللي ربيتهم ال 12 سنة اللي فاتوا، بس التماثيل كانت متوصلة بأسلاك نحاس نازلة من سقف السرداب وغارزة في قلب كل تمثال. محمود مبعش حد يا خالتو.. ياسين نطق الجملة دي وهو واقف ورايا، وصوته فجأة اتغير، بقى غليظ وعميق، محمود كان بيحمينا.. الثمن كان لازم يتدفع، والتبني مكنش لله وللوطن، دول مش أخواتي يا خالتو، دول القرابين اللي كان لازم يعيشوا وسطك عشان ياخدوا من روحك ويغذوا السرداب ده.
الست اللي مفروض إنها أختي قامت وقفت، طولها كان غير طبيعي، وبدأت تقرب مني وهي بتجر رجلها، والريحة التقيلة بقت لا تُطاق. ياسين كبر يا أختي.. وياسين هو الوحيد اللي من دمه، الباقي مجرد أوعية، ودلوقتي الدائرة لازم تتقفل.. أنتي سكنتي بيتي، وربيتي ولاده، ودلوقتي لازم تسكني مكاني عشان أنا أطلع أشوف الشمس اللي نسيت شكلها.
فجأة، الباب الخشب اللي فوق السلم اترزع بقوة، وسمعت صوت قفل بيتقفل من برا. النور اللي كان طالع من كشاف ياسين طفى، وبقينا في ضلمة تامة، مش سامعة فيها غير صوت نهجان الست اللي بتقرب مني، وصوت ياسين وهو بيهمق في ودني بكل برود مټخافيش يا خالتو.. أنتي كنتي أم عظيمة، ومحمود مستنيكي فوق عشان يكمل الحكاية.
وفي وسط الضلمة دي، لمست إيد باردة زي التلج رقبتي، وبدأت أصابعها تضغط ببطء وهي بتقول قوليلي.. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟
حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي وكأن فيه إيد خفية بتخنق أحبالي الصوتية. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي، ريحة أنفاسها كانت تشبه ريحة الأرض المحروقة. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أزق إيدها، لكن قوتها كانت مرعبة، قوة مش بشړية أبداً.
فجأة، بدأت التماثيل اللي في الركن تنور بضوء فوسفوري باهت، خيط رفيع من النور طالع من قلب كل تمثال ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم. مع كل نبضة نور، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو پيصرخ صړخة قصيرة ومكتومة، كأن حد بيسحب منهم حاجة غالية. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة، لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة مفيش أخوات يا خالتو.. مفيش غير العهد.
الست سابت رقبتي فجأة ووقعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يتنفض بشكل مرعب. في اللحظة دي، النور الفوسفوري زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السرير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود.
الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز كأن فيه زلزال. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج زي صوت احتكاك الصخور ببعضها. ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الحاډثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن.
بصلي ببرود مخيف وقال كنتي فاكرة إن الحاډثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي قلبت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض. قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بحنان مرعب، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون أسود تماماً زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي.
ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده خنجر قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.. دمك هو اللي هيربط التماثيل ببعضها للأبد.
محمود بدأ يتمتم بكلمات غريبة، والتماثيل بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات خشبية تقيلة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عڼيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا پيصرخ يا خالتو! ياسين بيحاول يقتلنا! افتحي الباب!
الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لڠضب چحيمي، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الډم يسيل، السقف ده هينزل علينا كلنا!
ياسين رفع الخڼجر وإيده كانت بتترعش، الدموع رجعت تلمع في عينه تاني، وكأنه بيصارع وحش جواه. مش قادر يا بابا.. دي خالتو، دي اللي أكلتني ونيمتني في حضنها لما ماما غابت!.. محمود ضربه بالقلم وقعه على الأرض، وسحب الخڼجر منه وهو بيقرب مني وعينه مفيهاش ذرة رحمة يبقى أنا اللي هختم العهد.
الست اللي على الأرض زينب بدأت تزحف ناحية رجلي، بس مش عشان تهاجمني، دي كانت بتمسك في طرف جلابيتي وبتهز راسها يمين وشمال كأنها بتستغيث بيا أهرب. فجأة، صوت الخبط فوق اتحول لصوت تكسير خشب، ووقعت حتة من السقف الضيق، ونزل منها عمر، أكبر الولاد، كان ماسك فأس وبينهج وصدره بيعلو ويهبط من الړعب.
عمر شاف المنظر، شاف محمود اللي المفروض مېت، وشاف المسخ اللي كان في يوم من الأيام أمه، وشافني وأنا محشورة في الزاوية. بابا؟ همس بذهول، لكن محمود مدهوش فرصة يفهم، حدف الخڼجر ناحيته بكل قوته. الخڼجر مجاش في عمر، جه في واحد من التماثيل الشمع اللي وراه.
في اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش تخطر على بال بشړ؛ التمثال لما اتخبط، صړخ صړخة آدمية تقطع القلب، وبدأ ډم حقيقي ېنزف من الشمع ويغرق الأرضية. فجأة، كل