اتصلت ابنتي الصغيرة بالطوارئ وقالت أفعى أبي تؤلمني


بعينيها ولو لثانية واحدة.
كأن جزءًا منها ما يزال يتوقع أن يعود الۏحش في أي لحظة.
احتاجت مريم إلى ثانية كاملة حتى تتعرف إلى المرأة الواقفة عند المدخل.
ليس لأنها نسيت ملامح أمها
بل لأن الخۏف الطويل علّمها أن تشك حتى في الأشياء الجميلة.
علّمها أن النجاة لا تأتي بسهولة.
وأن الأبواب حين تُفتح غالبًا يدخل منها الألم.
تحركت شفتاها ببطء شديد.
ثم خرج الصوت ضعيفًا، مترددًا، كأنها تخاف أن ينكسر لو نطقت به بصوت أعلى
ماما؟
تجمدت منى التلي في مكانها فورًا.
كأن الكلمة أصابتها في صدرها مباشرة.
اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، ثم وضعت يدها فوق فمها تحاول منع نفسها من الاڼهيار.
لكنها فشلت.
ففي اللحظة التالية، كانت مريم قد قفزت من فوق الكرسي بكل قوتها.
سقطت البطانية على الأرض.
وتدحرج الأرنب القماشي بعيدًا.
وركضت الطفلة نحو أمها بسرعة هستيرية، كأنها تخشى أن تختفي إذا تأخرت ثانية واحدة.
وكان تومي خلفها مباشرة.
يركض بخطوات صغيرة مرتبكة، لكنه لم يتوقف.
سقطت منى على ركبتيها قبل أن يصلا إليها.
بقوة امرأة ظنت لسنوات أنها فقدت طفليها إلى الأبد.
اڼفجرت بالبكاء.
ليس بكاءً عاديًا
بل بكاء شخص عاش سنوات كاملة يختنق بالذنب والعجز والخۏف.
كانت كلماتها تخرج متكسرة بين شهقاتها
أنا آسفة آسفة جدًا والله آسفة سامحوني سامحوني
تمسكت مريم بملابس أمها بكلتا يديها وكأنها تخشى أن تُسحب منها مجددًا.
أما تومي
فقد ډفن وجهه الصغير داخل عنق أمه، وبقي صامتًا تمامًا.
صامتًا بطريقة موجعة أكثر من البكاء نفسه.
كانت منى تقبّل وجهيهما وشعريهما ويديهما بصورة متكررة، كأن عقلها ما يزال عاجزًا عن استيعاب أنهما أمامها فعلًا.
وكأنها تحاول بلمساتهما أن تتأكد أن الأمر ليس حلمًا قاسيًا آخر.
كبرتم يا الله كبرتم
قالتها بصوت محطم وهي تبكي أكثر.
رفعت مريم رأسها قليلًا ونظرت إلى أمها بعينين متورمتين من السهر والخۏف.
ثم سألتها بصوت صغير جدًا
ليه تأخرتِ علينا يا ماما؟
توقفت منى عن التنفس لثانية.
كأن السؤال مزّق شيئًا داخلها.
ارتجفت شفتاها، لكنها لم تعرف ماذا تقول.
لأن الحقيقة كانت أكبر من طفلة صغيرة.
وأقسى من أن تُشرح.
وضمتها أكثر فقط، حتى كادت تخفيها داخل صدرها.
أما تومي، فرفع رأسه أخيرًا ونظر إلى أمه طويلًا.
ثم سألها پخوف حقيقي
هو مش رح يرجع يا ماما صح؟
انكسرت منى بالكامل عند تلك الجملة.
أغلقت عينيها بقوة، ثم أمسكت وجهه الصغير بكلتا يديها وقالت وهي تبكي
لا لا يا حبيبي والله ما رح يرجع لكم أبدًا أبدًا
وفي زاوية الغرفة، وقفت الأخصائية النفسية سارة بصمت كامل.
كانت تحمل ملفًا بين يديها، لكنها لم تكتب حرفًا واحدًا.
لأن بعض اللحظات لا تُوثَّق بالأوراق.
بل تبقى محفورة داخل الإنسان نفسه.
أما نورا الكعبي
فشعرت أن البقاء داخل الغرفة أصبح مؤلمًا أكثر مما تستطيع احتماله.
خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها دون صوت.
وفي الممر الطويل البارد، كانت خطوات الأطباء والمسعفين تتحرك بسرعة، بينما أضواء المركز البيضاء تجعل كل شيء يبدو شاحبًا ومتعبًا.
وقفت نورا للحظات تحدق في الأرض.
ثم أخرجت
نفسًا طويلًا حاولت خلاله السيطرة على ارتجاف يديها.
بعد دقائق، اقترب منها خالد المنصوري وهو يحمل كوبين من القهوة من آلة المشروبات القديمة في آخر الممر.
ناولها أحدهما بصمت.
أخذته دون حماس.
كانت القهوة رديئة.
باردة تقريبًا.
لكنها أمسكتها فقط لأنها احتاجت إلى شيء يشغل يديها عن الارتجاف.
نظر إليها خالد للحظات قبل أن يسأل بهدوء
هل أنتِ بخير؟
أطلقت نورا ضحكة قصيرة وفارغة، تشبه شخصًا نسي كيف يضحك فعلًا.
ثم هزّت رأسها ببطء وقالت
لا
وصمتت لثوانٍ.
قبل أن تضيف بصوت متعب
لكن هذا ليس الوقت المناسب للتفكير في ذلك.
أومأ خالد بصمت.
لأنه فهم تمامًا ما تقصده.
ففي هذا العمل
يتعلم الإنسان كيف يؤجل انهياره.
كيف يبتلع الصدمة مؤقتًا.
كيف يقف ثابتًا بينما شيء داخله يتحطم ببطء.
ويتعلم أيضًا
أن أسوأ الوحوش غالبًا لا تبدو مخيفة أبدًا.
بل تبدو مهذبة.
هادئة.
وترحب بك بابتسامة عند الباب.