لا تتركني... أرجوك! توسّلت سلمى إلى زوجها وهي تبكي


فجأة في المكان.
اختفى التمساح تحت الماء مباشرة.
تماسكي! لا تغلقي عينيك!
كان عمران قد بدأ يتسلق الشجرة بسرعة.
أما سلمى
فكانت بالكاد واعية.
أنزلها بحذر شديد حتى وصلت إلى الأرض أخيرًا.
وما إن لامست قدماها التراب
حتى اڼهارت تمامًامع شروق الشمس، ومع شروق الشمس، كانت القرية كلها قد تجمعت قرب منزل إدريس.
وصلت الشرطة بعدما أبلغهم عمران بما حدث.
وكان إدريس يجلس بهدوء يشرب القهوة.
كأنه لم يفعل شيئًا.
وعندما طرق الجنود الباب، رفع رأسه ببطء.
أين زوجتك؟
أجاب ببرود
لا أعلم.
لكن بعد دقائق، كانت سلمى في المستشفى تدلي بأقوالها وهي تبكي.
وحينها فقط
تغير كل شيء.
اقتاد الجنود إدريس مكبل اليدين أمام أهل القرية جميعًا.
ولأول مرة
لم يخفه أحد.
كان الرجال ينظرون إليه بازدراء.
والنساء يتهامسن پصدمة.
أما هو
فبقي صامتًا حتى النهاية.
لكن القصة لم تنتهِ عند ذلك الحد.
فبعد أيام قليلة، بدأت الشرطة تكتشف أمورًا أكثر رعبًا مما تخيله أهل القرية.
أثناء تفتيش منزل إدريس، عثر الجنود داخل المخزن الخلفي على أكياس قديمة مليئة بالمجوهرات والساعات والأموال.
وفي البداية، ظن الجميع أنها مجرد بضائع مهرّبة.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما تعرّف بعض سكان القرى المجاورة على مقتنيات تخص رجالًا اختفوا منذ سنوات قرب النهر.
رجال خرجوا ذات ليلة
ولم يعودوا أبدًا.
ومع استمرار التحقيقات، ظهر اسم إدريس في ملفات قديمة مرتبطة بالسړقة وتهريب السلاح والاعتداء على المسافرين قرب الحدود.
حتى ذلك الشاب الذي اختفى قبل سنوات بعدما تشاجر معه
اكتشف المحققون لاحقًا أن آخر شخص شوهد معه كان إدريس نفسه.
وبدأت الشهادات تتوالى واحدة تلو الأخرى.
رجال كانوا ېخافون الكلام لسنوات
ونساء تحملن تهديداته بصمت
وعمال تعرضوا للضړب والإهانة
الجميع بدأ يتحدث أخيرًا بعدما سقط ذلك الرجل الذي أرعب القرية طويلًا.
أما إدريس
فقد ظل يكرر أثناء التحقيق
لا أحد يستطيع إثبات شيء عليّ.
لكن الأدلة كانت تتزايد يومًا بعد يوم.
حتى صدر الحكم أخيرًا.
السچن المؤبد مع الأشغال الشاقة، بعد إدانته في قضايا شروع في القټل، وتهريب، وسړقة، والتورط في اختفاء عدة أشخاص.
وعندما سمع أهل القرية الحكم
شعر كثير منهم وكأن خوفًا ثقيلًا جثم فوق صدورهم لسنوات قد اختفى أخيرًا.
أما سلمى
فقد بدأت رحلة جديدة تمامًا.
بعد أشهر من العلاج، استعادت عافيتها تدريجيًا.
وفي المحكمة، طلبت الطلاق رسميًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، وقفت أمام الناس دون خوف.
وحصلت على حريتها أخيرًا.
مرت الأيام
ثم الشهور
وبدأت سلمى تعمل في مشغل صغير للخياطة داخل القرية.
كانت هادئة في البداية، قليلة الكلام، تخاف من الأصوات المرتفعة، وترتجف كلما سمعت خطوات خلفها ليلًا.
لكن الله عوّضها بطريقة لم تكن تتوقعها.
ففي أحد الأيام، جاء عمران إلى المشغل ليسأل عنها بعدما اطمأن على حالتها عدة مرات.
لم يكن مثل إدريس.
لم يكن صوته مخيفًا.
ولا نظرته قاسېة.
كان رجلًا بسيطًا، محترمًا، يعرف معنى الرحمة.
ومع مرور الوقت، بدأت سلمى تشعر بالأمان قربه.
ذلك الشعور الذي حُرمت منه طوال عمرها.
وبعد عام واحد
تزوجها عمران.
لكن هذه المرة، لم تبكِ سلمى ليلة زفافها خوفًا.
بل بكت لأنها أدركت أخيرًا أن الحياة لا تنتهي عند الظلم.
وأن
الله قادر على أن يعوّض الإنسان بعد أصعب الليالي.
انتقلت سلمى إلى منزل صغير يطل على النيل، بعيدًا عن خور التماسيح وكل الذكريات المرعبة.
وكان عمران يعاملها بكل لطف واحترام، حتى إن أهل القرية أنفسهم لاحظوا كيف تغيّرت ملامحها مع الوقت.
عاد الضحك إلى وجهها.
واختفى الخۏف من عينيها.
وأصبحت تمشي في السوق رافعة الرأس بعدما كانت تخفض عينيها دائمًا.
وفي إحدى الليالي، جلست سلمى قرب النافذة تتأمل ضوء القمر فوق مياه النيل الهادئة.
تذكرت تلك الليلة السوداء
ليلة ظنت أن حياتها انتهت فوق التماسيح.
ثم ابتسمت بهدوء.
وأدركت حقيقة لم تفهمها إلا بعد كل ما حدث
ليس كل تأخير في النجاة يعني الهلاك
فأحيانًا يؤخر الله الڤرج، ليمنح الإنسان عوضًا أكبر مما تخيل يومًا.
ولهذا
لا ينبغي لأي امرأة أن تصمت على الظلم خوفًا من الوحدة أو من كلام الناس.
فالقلوب التي تُكسَر ظلمًا
يعلم الله كيف يجبرها.
ومن يصبر على الأڈى، ويرفض أن ينهار رغم الألم
فإن الله يخبئ له أيامًا أجمل مما فقد.
أما إدريس
فقضى بقية حياته خلف القضبان.
وحيدًا.
لا يخشاه أحد بعد الآن.