رفضوا ترقيتي في المصنع لأنهم قالوا إن وجهي لم يعد مناسبًا لاستقبال العملاء


بعد ماذا؟
قالت
نريد منك العودة مؤقتًا كمستشارة تقنية.
سألتها فورًا
بعقد رسمي؟
ترددت للحظة
ثم قالت
نعم.
رفعت عيني نحو سامر.
كان يراقبني بقلق شديد.
فقلت بوضوح
لدي شروط.
تفضلي.
أولًا لا أعود كموظفة.
موافقون.
ثانيًا كل شيء يكون مكتوبًا.
موافقون.
ثالثًا ابني لا يُمسّ، ولا يُعاقب أي موظف حاول الدفاع عني اليوم.
نظرتُ نحو فني الأنظمة الشاب الذي وقف متوترًا قرب الأجهزة.
ثم أكملت
ولا ذلك الشاب أيضًا.
قالت هالة مباشرة
تم.
تنفست ببطء.
ثم قلت الجملة الأخيرة وأنا أنظر إلى ريم
وأريد ملفاتي كاملة دون ورقة ناقصة.
خفضت ريم رأسها فورًا.
أما سامر
فكان واقفًا كمن يُسحب منه الهواء ببطء.
قالت هالة
هل تعودين الآن؟
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة داخل المصنع
ثم قلت
سأعود
لكن بصفتي الشخص الوحيد هنا الذي يعرف كيف يُنقذ هذه الکاړثة.
وأغلقت الخط.
ساد صمت ثقيل.
ثم فجأة
ابتعد رجال الأمن من الطريق.
وتحرك العمال تلقائيًا ليفسحوا لي ممرًا وسط المصنع.
كأنهم لا يرون موظفة عادية
بل آخر فرصة لإنقاذ المكان كله.
حين جلست أمام الحاسوب القديم مجددًا
شعرت وكأنني أعود إلى حرب قديمة أعرفها جيدًا.
الشاشة السوداء.
الحروف الخضراء.
الأوامر النصية التي سخروا منها سنوات.
اقترب فني الأنظمة الشاب وهمس
كلهم ينتظرونك.
أجبته بهدوء
إذن لا يُزعجني أحد.
حتى سامر
لم يجرؤ على الاعتراض.
بدأت أراجع سجلات النظام بسرعة.
الأوامر.
سجل الدخول.
صلاحيات التشغيل.
تقارير الجودة.
ثم فجأة
توقفت يدي.
ضيّقت عيني نحو الشاشة.
وأعدت فتح الملف مرة أخرى.
لا
هذا مستحيل.
لكن الأرقام كانت أمامي بوضوح.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت مباشرة إلى ريم.
كانت ترتجف.
سألتها بصوت هادئ أخطر من الصړاخ
أنتِ من وافق على تجاوز الجودة هذا؟
ارتبكت فورًا.
أنا أنا لم أقصد
اقترب سامر بسرعة وقال بعصبية
ليس الآن يا أمينة.
لكنني تجاهلته تمامًا.
وأعدت النظر إلى الشاشة.
ثم شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
أجهزة التعقيم الخاصة بالشحنة الطبية
كانت قد سجلت درجات حرارة أقل من الحد المطلوب أثناء التغليف.
أي أن التعقيم لم يكن مضمونًا بالكامل.
ولو خرجت الشحنة بهذا الشكل
فقد تصل أجهزة طبية ملوثة إلى المستشفيات.
رفعت رأسي فورًا وقلت بصوت حاد
أوقفوا الشحنة حالًا.
تجمّد المكان.
صړخ سامر
هل جننتِ؟!
التفتُّ إليه بحدة
هل تريد إرسال أجهزة غير مضمونة التعقيم فقط حتى تُرضي الوفد؟!
قال بانفعال
الفرق بسيط!
ضړبت الطاولة بقوة لأول مرة.
في الأجهزة الطبية
لا يوجد شيء اسمه فرق بسيط.
ساد الصمت.
حتى العمال توقفوا عن الحركة.
ثم التفتُّ نحو مسؤول الجودة وقلت
من الذي وقّع اعتماد هذه الدفعة؟
نظر الرجل بتردد نحو ريم.
وهنا اڼهارت ريم أخيرًا.
وضعت يدها على فمها وقالت بصوت مرتجف
سامر قال إن الأمر طبيعي وقال إننا لو أوقفنا الشحنة سنخسر العقد.
تحول كل شيء فجأة.
كل العيون اتجهت نحو سامر.
أما هو
فبدأ يتراجع خطوة للخلف.
قال بعصبية
هي لا تفهم شيئًا!
لكن أحد العمال صړخ من الخلف
بل أنت الذي لا تفهم!
ثم قال آخر
الأستاذة أمينة كانت تبقى بعد دوامها لتُصلح أخطاءكم!
وقالت عاملة من قسم التغليف
هي الوحيدة التي كانت تعلّمنا بدل أن تُهيننا.
وفجأة
بدأ الجميع يتكلم.
عامل وراء عامل.
موظف وراء موظف.
كل واحد يتذكر موقفًا قديمًا معها.
كيف حمتهم.
كيف ساعدتهم.
كيف كانت تبقى وحدها بعد انتهاء الوردية حتى لا يُخصم من رواتبهم بسبب الأعطال.
أما سامر
فبدأ يفقد السيطرة تمامًا.
صړخ
اصمتوا جميعًا!
لكن لا أحد صمت هذه المرة.
حتى رجال الأمن
كانوا ينظرون إليه ببرود.
اقتربت هالة منصور من جهة الاستقبال بعدما دخلت المصنع أخيرًا مع اثنين من الإدارة.
كانت تتابع الشاشات بوجه متوتر.
ثم سألتني مباشرة
هل الوضع خطېر؟
أشرت إلى التقارير أمامي.
قلت
لو خرجت هذه الشحنة قد نؤذي مرضى.
شحب وجهها فورًا.
أخذت الملف من يدي بسرعة وبدأت تقرأ.
ثم رفعت رأسها نحو سامر ببطء.
هل كنت تعلم بهذا؟
فتح فمه
لكنه لم يجد جوابًا.
قالت بحدة
أوقفوا الشحنة فورًا.
تحرك قسم الجودة مباشرة.
وأُغلقت بوابات التحميل.
أما وفد الخليج
فبدأ يطالب بتفسير عاجل لما يحدث.
وفي وسط الفوضى كلها
عدتُ إلى الشاشة.
أصلحت صلاحيات المخزون.
ثم أجهزة القراءة.
ثم خطوط التغليف.
أصوات الماكينات بدأت تعود تدريجيًا.
خط بعد خط وجهاز بعد جهاز.
حتى عاد صوت المصنع للحياة من جديد.
لكن هذه المرة لم يعد أحد ينظر إليّ كموظفة عجوز.
بل
كشخص أنقذ