ارض بور بقلم انجى الخطيب


للمحامي بتاعي، وقلت له يا متر، عايزة إجراءات الطلاق تخلص في أسرع وقت، مش عايزة اسمي يفضل مربوط باسمه دقيقة واحدة زيادة.
المحامي بص لي بقلق وقال يا دكتورة، حضرتك حامل، وده قانوناً بيأخر إجراءات معينة..
قاطعته بابتسامة مرعبة أنا دكتورة نسا يا متر، وعارفة القوانين أكتر منك، اتصرف.. أنا عايزة الورقة دي توصل له وهو في بيت أمه، عشان يعرف إن الأرض البور نبتت، بس طرحها مش ليه.
مر شهر، وفعلاً أحمد استلم ورقة الطلاق. وفي نفس اليوم، عرفت إن البنك حجز على آخر مليم كان مخبيه في حساب مستتر، وإن ضرتي رفعت عليه قضية خلع ونفقة لما لقت إنه مبقاش معاه يصرف على لبن الأطفال.
كنت واقفة في عيادتي، وببص على نفسي في المراية، بطني بدأت تظهر حاجة بسيطة. فجأة، الباب خبط ودخلت الممرضة وهي مرتبكة يا دكتورة.. فيه واحدة بره عايزة تقابلك، وبتقول إنها مش هتمشي غير لما تشوفك.
قلت لها مين؟
قالت بتقول إنها مرات الأستاذ أحمد.. نورهان.
سكتت لحظة، وبعدين قلت دخليها.
دخلت نورهان، الست اللي ولدتّها بإيدي. كانت شايلة البنت، وشها كان دبلان وعينيها غرقانة دموع. أول ما شافتني، حطت البنت على الكنبة وجت ركعت تحت رجلي وهي بټعيط يا دكتورة إنجي، أنا ماليش ذنب.. والله ضحك عليا، قالي إنه وحيد ومقطوع من شجرة، وأنا غلبانة وأهلي صدقوه. دلوقتي هو مشرد، وأنا بنتي مش لاقية أجيب لها لبن، وأهلي طردوني لما عرفوا الفضايح اللي عملها.. أبوس إيدك، ارحمي الطفلة دي، هي ملهاش ذنب في خېانة أبوها.
بصيت للبنت اللي كانت نايمة ببراءة، البنت اللي أنا ولدتّها، وحسيت بصراع جوه
قلبي.. هل اڼتقامي من أحمد لازم يطول طفلة ملهاش ذنب؟ ولا الجراح اللي جوايا لازم يفضل
قلبه حجر؟
بصيت لنورهان وقلت لها بصوت واطي ومخيف قومي يا نورهان.. قومي ومسحي دموعك، اللي هقولهولك دلوقتي مفيش مخلوق يعرفه، ولو كلمة طلعت بره، هنهيكي أنتِ وبنتك..
نظرت لنورهان وهي بترتعش قدامي، وحسيت إن الدكتورة اللي جوايا غلبت الست المچروحة. مديت إيدي وقومتها، وبصيت للبنت اللي كانت بتتحرك ببراءة في لفتها.. الطفلة دي أنا أول واحدة لمستها في الدنيا، ومستحيل أخليها تدفع ثمن قذارة أبوها.
قلت لها بصوت هادي ورزين بصي يا نورهان.. أحمد خلاص انتهى، وورقة طلاقي وصلت له. أنا مش هسيبك مشردة أنتِي والبنت، هكتب لك شقة من الشقق القديمة اللي ورثتها عن أهلي تقعدي فيها أنتِي وبنتك، وهخصص لك مرتب شهري باسم البنت لحد ما تكبر وتعتمد على نفسها.
نورهان مكنتش مصدقة، فضلت تدعي لي . خرجت من عندي وهي حاسة إن ربنا بعت لها طوق نجاة من وسط الموج.
بعد كام شهر، كنت قاعدة في بلكونة شقتي في المعادي، الهوا كان بيرد الروح. بطني كبرت، وكنت حاطة إيدي عليها
وببتسم. المحامي كلمني وقال لي إن أحمد سافر يشتغل عامل في بلد بعيدة بعد ما فقد كل حاجة، وأمه باعت ذهبها عشان تسد ديونه وعايشة في أوضة وصالة في منطقة شعبية.. الدنيا دارت بيهم وداقوا من نفس الكاس.
في اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل من حسابي البنكي، تم إيداع أرباح المستشفى. ابتسمت، أنا دلوقتي مش بس دكتورة ناجحة، أنا أم لولد هيكبر في عز حقيقي، عز بنته أمه بشقاها وذكائها، مش بتمثيل وخداع.
قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لملامحي اللي رجع لها النور. مكنتش أرض بور أبداً، كنت أرض طيبة استنت الوقت الصح عشان تطلع أحلى ما فيها. شطبت اسم أحمد من حياتي ومن شهادة
ميلاد ابني اللي جاي، وسميته يحيى.. عشان يحيى بيا الأمل من جديد.
النهاية مكنتش في الاڼتقام بس، النهاية كانت في إني لقيت نفسي من تاني، وإن الحق رجع لأصحابه بذكااء بصيت للسما وقلت الحمد لله.. الضلمة راحت، والشمس طلعت بجد.
تمت.
بقلم انجي الخطيب