عمري 45 عامًا، أمٌّ مطلّقة لسبعة أطفال


ثقيلة كالړصاص.
الحي كله تغيّر فجأة بعد مۏت الحاج مصطفى بن عمار.
الرجال الذين كانوا يشتكون من صراخه صاروا يقفون أمام المسجد بعد صلاة العصر يروون قصصًا عنه، والنساء اللواتي كنّ يصفنه بالعجوز المچنون بدأن يترحمن عليه كلما مررن قرب بيته.
أما أنا
فكنت أشعر بفراغ غريب كل مساء.
في الساعة نفسها التي اعتدت فيها تجهيز طبقه، كانت يداي تتحركان تلقائيًا نحو الصحن الثامن ثم أتوقف فجأة.
وأتذكر أنه رحل.
في ليلة الچنازة، جلستُ وحدي داخل مطبخي الضيق في بيتنا المتواضع داخل باب الوادي، بينما أطفالي السبعة نائمون متلاصقين كعادتهم.
كان الصمت ثقيلاً.
حتى إنني وجدت نفسي أحدق في الطبق الفارغ طويلًا.
ثم بكيت.
ليس لأنني كنت أتوقع شيئًا منه
ولا لأنني كنت أريد مقابلًا لكل تلك السنوات.
بل لأنني أدركت أن الرجل الذي أمضى عمره يطرد الناس بعيدًا كان في الحقيقة ينتظر شخصًا واحدًا فقط لا يتركه.
وفي صباح اليوم التالي، تلقيت اتصالًا غريبًا.
رجل يتحدث بلهجة رسمية قال
هل السيدة زهرة بوزيان موجودة؟
أجبته بحذر
نعم.
قال
أنا محامي المرحوم الحاج مصطفى بن عمار. يجب أن تحضري جلسة
قراءة الوصية اليوم.
ظننت في البداية أنه أخطأ الرقم.
قلت بتوتر
ربما تقصد أحد أبنائه.
لكنه أجاب بثقة
لا، أقصدك أنتِ.
أغلقت الهاتف وأنا مشوشة.
حتى أطفالي استغربوا.
قال ابني الأكبر سليم
ماذا يريد منك محامي رجل غني؟
هززت كتفي فقط.
في داخلي، كنت أعتقد أن الأمر يتعلق بمفتاح البيت أو بعض الأوراق القديمة لا أكثر.
ارتديت عباءتي السوداء البسيطة، وذهبت إلى مكتب المحامي في وسط الجزائر العاصمة.
وحين وصلت
شعرت أنني لا أنتمي للمكان.
المكتب فاخر بشكل يربك.
الأرضية الرخامية تلمع، ورائحة العطر الباهظ تملأ الجو.
وهناك، جلست عائلة الحاج مصطفى لأول مرة أمامي.
ابناه وابنته.
مراد بن عمار كان يرتدي بدلة داكنة وساعة تساوي أكثر مما أجنيه في سنة كاملة.
أما أخوه رياض بن عمار فكان ينظر في هاتفه بلا اكتراث.
وابنته ليلى بن عمار جلست تضع نظارة سوداء داخل المكتب كأنها تخشى أن يلمسها المكان.
نظروا إليّ للحظة قصيرة فقط.
ثم تجاهلوني تمامًا.
سمعت ليلى تهمس لأخيها
هل هذه هي المرأة التي كانت ترسل الطعام له؟
فردّ بسخرية
على الأقل وجد من يخدمه مجانًا.
خفضت رأسي بصمت.
لم آتِ للمشاكل.
كنت فقط أريد سماع ما يجب سماعه ثم العودة إلى أطفالي.
دخل المحامي بعد دقائق، رجل وقور يُدعى عبد القادر شتوان.
جلس أمامنا وفتح ملفًا سميكًا.
ثم قال بهدوء
سنبدأ بتنفيذ وصية المرحوم.
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف كان مسموعًا.
ثم ضغط المحامي زرًا صغيرًا، واشتغلت شاشة كبيرة خلفه.
وفجأة
ظهر وجه الحاج مصطفى.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
كان يجلس فوق كرسيه المعتاد داخل بيته، مرتديًا قميصه الرمادي القديم، وعصاه بجانبه.
لكن ملامحه بدت هادئة بشكل لم أره من قبل.
قال بصوته الخشن
إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل فهذا يعني أنني مت أخيرًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة.
ثم تابع
إلى أبنائي الثلاثة مراد، رياض، وليلى.
جلس الثلاثة باعتدال فور سماع أسمائهم.
أما أنا
فبقيت متجمدة.
قال الحاج مصطفى
أنتم كنتم يومًا أجمل ما حدث لي.
للحظة، ظننت أن الأمور ستسير