عمري 45 عامًا، أمٌّ مطلّقة لسبعة أطفال


كان يحتاج طبيبًا، فېصرخ
اذهبي لشأنك.
لكنني كنت أعرف أنه صار ينتظرني.
ذات مساء، تأخرت بسبب عملي في الفندق.
وعندما وصلت قرب منتصف الليل، وجدته واقفًا أمام الباب بعصاه، يراقب الزقاق بعصبية.
ما إن رآني حتى قال بحدة
الطعام برد.
كدت أضحك.
لأنها كانت المرة الأولى التي يعترف فيها ضمنيًا بأنه كان ينتظرني.
بعد أشهر قليلة
نسي أن يغلق الباب بالكامل.
دخلتُ لأول مرة.
وكان المنزل صامتًا بشكل مؤلم.
رائحة الغبار والأدوية القديمة تملأ المكان، لكن أكثر ما شدّني لم يكن الفوضى
بل الجدران.
كانت مغطاة بالصور.
صور أطفال.
صور أعياد ميلاد.
صور رحلات عائلية.
وصورة كبيرة لامرأة محجبة تبتسم بحنان.
وقفت أتأملها طويلًا.
ثم سألته
عائلتك؟
تجمد قليلًا قبل أن يجيب
زمان.
اقتربت من إحدى الصور.
ثلاثة أطفال يقفون بجواره.
ولد طويل يضع نظارات.
وآخر يبتسم بثقة.
وفتاة ترتدي فستانًا أبيض.
قلت
أبناؤك؟
أشاح وجهه بعيدًا.
نعم.
أين هم؟
طال الصمت.
ثم قال بصوت مكسور
كبروا ونسوني.
لم أعلق.
لكنه أكمل وحده، كأنه كان يحمل الكلمات داخله منذ سنوات.
قال إن أبناءه انتقلوا للعيش في أحياء راقية داخل حيدرة وبن عكنون بعد أن أصبحوا أثرياء.
في البداية كانوا يزورونه.
ثم أصبحت الزيارات أقل.
ثم توقفت تمامًا.
حتى الاتصالات أصبحت نادرة.
وفي أحد الأعياد
انتظرهم حتى منتصف الليل دون أن يأتي أحد.
ومنذ ذلك اليوم
أغلق قلبه على نفسه.
قال وهو يحدق في صورة زوجته
عندما ماټت أمهم انتهى كل شيء.
لم أعرف ماذا أقول.
لأنني أنا أيضًا كنت أعرف شكل الوحدة.
زوجي السابق تركني وأنا حامل بطفلي السابع.
اختفى بعدما أغرقنا بالديون والوعود الكاذبة.
أتذكر الليلة التي غادر فيها جيدًا.
كان أطفالي نائمين فوق فرش رقيقة في غرفة واحدة، بينما جلس هو ېدخن قرب النافذة.
قلت له
كيف سنعيش؟
فقال ببرود
دبّري نفسك.
ثم رحل.
ومنذ تلك الليلة
لم يعد أحد يحميني سوى الله.
لهذا كنت أفهم الحاج مصطفى أكثر مما يتخيل.
كنا شخصين مهزومين بطريقة مختلفة.
هو خسر عائلته رغم المال.
وأنا خسړت الأمان رغم الحب.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يتغير مع الوقت.
صار يفتح الباب قبل أن أطرق.
وأحيانًا
كان يسأل عن أطفالي.
ابنك الكبير هل نجح في المدرسة؟
وابنتك الصغيرة؟ هل شفيت من السعال؟
بل إنه ذات مرة أعطى ابني يونس قطعة حلوى قديمة من جيبه، ثم تظاهر بالڠضب عندما شكره الطفل.
ومع مرور السنوات
بدأ أطفالي يعتادونه أيضًا.
صاروا يلقون عليه السلام عندما يمر.
وكان يردّ بتجهم مصطنع يخفي ارتباكه.
حتى الجيران لاحظوا الأمر.
قالت خديجة مرة وهي تضحك
العجوز يحبكم أكثر مما يحب نفسه.
لكن الحاج مصطفى سمعها، فضړب الأرض بعصاه وصاح
لا تنشري الإشاعات يا امرأة!
ضحك الحي كله يومها.
حتى أنا.
أما هو
فأدار وجهه بسرعة حتى لا نرى ابتسامته الصغيرة.
لكن الأيام لا ترحم أحدًا.
وفي مساء يوم ثلاثاء بارد
لاحظت أن ضوء شرفته لم يشتعل.
شعرت بانقباض غريب.
طرقت الباب.
لا جواب.
طرقت مرة أخرى.
ثم دفعت الباب ببطء
ودخلت.
كان مستلقيًا فوق سريره بهدوء شديد.
كأنه نائم فقط.
وجهه كان مرتاحًا للمرة الأولى منذ عرفته.
وعصاه الخشبية بجانب يده.
وقفت عاجزة عن الحركة.
ثم بدأت أبكي.
بكيت كما لو أنني فقدت أبي الحقيقي.
لأن الرجل الذي كان يخيف الحي كله
ماټ وحيدًا.
لكن ليس تمامًا لأنني كنت هناك.
ولأن أحدًا أخيرًا حزن عليه بصدق.
مرت أيام الچنازة