عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفا


تصبح مادة للسخرية أو الشفقة. لكن تلك الجملة كسرت شيئًا داخلي. لأول مرة شعرت أن هناك شخصًا رآني حتى وهو غائب.
جلست على الأرض وبدأت أقرأ.
كتب جدي عن الأرض، والكهف، والصخور، والطرق الجبلية. كتب عن أشخاص حاولوا شراء الأرض منه أكثر من مرة. كتب عن شركة لا تسأل عبثًا. كتب جملة تكررت في أكثر من صفحة
لا تبع الأرض يا سالم. ما في داخل الكهف ليس للبيع.
توقفت عندها طويلًا.
ما في داخل الكهف؟
في اليوم التالي عند الفجر، حملت مصباحًا يدويًا وجدته في صندوق الأدوات، وربطت قطعة قماش حول فمي، وأخذت نفسًا طويلًا ثم دخلت الكهف.
كان الهواء في الداخل مختلفًا. باردًا، ثقيلًا، ورطبًا. خطواتي كانت تصدر صدى، والصدى يعود إليّ كأنه يسألني
من أنت؟
ولماذا عدت؟
الجدران كانت تلمع تحت ضوء المصباح لمعانًا خفيفًا، وكأن في الحجر أسرارًا لم ترد أن تظهر كاملة. تقدمت بحذر، أراقب الأرض، وأرفع المصباح أمامي.
كل خطوة كانت تزيد شعوري أن هذا المكان ليس كما وصفوه.
ليس حفرة.
ليس بلا قيمة.
ثم رأيت شيئًا غريبًا.
في عمق الكهف، خلف مجموعة من الصخور المتراكمة، كان هناك خط مستقيم لا يشبه تشققات الجبل الطبيعية.
اقتربت.
أزحت بعض الحجارة بيدي.
وتجمدت في مكاني.
كان هناك باب حديدي قديم، مخفي بعناية داخل الجبل.
باب حقيقي.
ليس من الطبيعة.
ليس صدفة.
كان القفل في وسطه صدئًا، كبيرًا، كأنه لم يُلمس منذ سنوات طويلة.
شعرت بقلبي يدق في أذني.
أخرجت المفتاح الذي ورثته.
نظرت إليه.
ثم نظرت إلى القفل.
اقتربت ببطء، وأدخلت المفتاح.
دخل بسهولة.
كأنه صُنع له.
لم أتنفس.
أدرت المفتاح.
صدر صوت معدني عميق شق صمت الكهف كأنه يوقظ شيئًا نام طويلًا.
ثم انفتح الباب.
خلفه لم أجد ذهبًا، ولا صناديق أموال، ولا كنزًا كما يتخيل الناس.
وجدت غرفة حجرية صغيرة محفورة داخل الجبل.
وفي وسطها خزان قديم من الحجر، تتجمع فيه مياه صافية تنبع من شق داخل الصخر. وعلى الجدار كانت هناك أنابيب قديمة وخرائط ودفاتر ملفوفة داخل صناديق معدنية محكمة الإغلاق.
اقتربت من الماء.
كان صافيًا بشكل لا يصدق. عندما سلطت المصباح عليه لمع كأنه زجاج حي. وضعت يدي فيه، فكان باردًا ونقيًا، ثم شربت منه قليلًا وكان طعمه كأنه أول شيء حقيقي أتذوقه في حياتي.
لكن السر لم يكن الماء فقط.
فتحت أحد الصناديق المعدنية.
وجدت داخله وثائق، خرائط، ملاحظات بخط جدي عبدالله، وتقارير قديمة عن مصدر مائي جوفي نادر داخل الجبل. كان جدي قد اكتشف أن الكهف متصل بحوض مائي عميق يمكن أن يغذي المنطقة كلها لسنوات طويلة، لكنه أخفى الأمر لأنه عرف أن الشركات ستأتي لتشتري الأرض وتحوّل الماء إلى تجارة.
في آخر ورقة وجدت رسالة قصيرة
يا سالم، سيقولون لك إن الأرض لا تساوي شيئًا. سيعرضون عليك مالًا كثيرًا. لا تصدقهم. هذا المكان ليس كنزًا لك وحدك إنه حياة لمن حوله.
جلست على الأرض وأنا أرتجف.
فهمت الآن.
الشركة لم تكن تريد الكهف لأنه بلا قيمة.
كانت تريده لأنه يحمل شيئًا أثمن من المال.
الماء.
وفي منطقة جبلية تعاني من العطش، الماء ليس مجرد ماء.
الماء حياة.
خرجت من الكهف في ذلك اليوم وأنا شخص مختلف.
كنت قد دخلت أبحث عن سبب يمنعني من بيع الأرض، وخرجت وأنا أحمل مسؤولية أكبر من عمري كله.
عشت في الكوخ أسابيع. نظفته، أصلحت ما استطعت من سقفه، وأغلقت بعض النوافذ المکسورة. كنت أنزل إلى أقرب قرية لشراء الطعام بالقليل الذي أملكه. كان الناس ينظرون إليّ باستغراب شاب وحيد جاء من الرياض ليعيش قرب كهف مهجور.
وفي أحد الأيام، بينما كنت في دكان صغير أشتري خبزًا ومعلبات، دخل رجل أنيق يرتدي ثوبًا ناصعًا وغترة مرتبة، لا يشبه غبار
المكان أبدًا.