عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفا


على بداية جديدة بدل التمسك بمكان لا فائدة منه.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يدور في رأسي
إذا كان المكان لا يساوي شيئًا فلماذا تريد شركة كبيرة شراءه؟
سألتها.
تنهدت وقالت
الشركات أحيانًا تشتري أراضي رخيصة وتنتظر. ربما مشروع مستقبلي، ربما ممر، ربما مجرد استثمار. لا أعلم. المهم أن العرض موجود.
نظرت إلى المفتاح في يدي.
كان قديمًا وثقيلًا، كأنه لا يزن معدنًا فقط بل يزن سنوات من الصمت. كان مفتاحًا لمكان لم أره قط، لكنه كان المكان الوحيد في العالم الذي يحمل اسمي.
وفي تلك اللحظة، لم أستطع بيعه.
لم يكن الأمر عن الأرض.
كان عن أن شخصًا ما جدي عبدالله ترك لي شيئًا وقال بطريقته الصامتة
هذا لك.
في تلك الليلة، جلست في محطة الحافلات، والصندوق عند قدمي، والظرف في يدي. كانت أصوات الناس حولي كثيرة، لكنني لم أسمع إلا صوتًا واحدًا داخليًا يقول
اذهب.
حتى لو كان المكان لا يساوي شيئًا.
اذهب وانظر بنفسك.
مع طلوع الفجر، اشتريت تذكرة متجهًا إلى الجنوب. لم أوقّع على البيع. لم أقبل المال. لم أسمح لهم أن يشتروا آخر خيط يربطني بمن حاول أن يحميني يومًا.
كانت الرحلة طويلة ومرهقة. الطريق يبتعد عن صخب الرياض شيئًا فشيئًا، والجبال تظهر كأنها حراس قدامى يقفون بصمت. كنت أجلس قرب النافذة، والصندوق بين قدمي، والمفتاح في جيبي يضغط على جسدي كأنه يذكرني أنني لم أعد أهرب بل أذهب إلى شيء يخصني.
وصلت إلى منطقة جبلية بعيدة، ثم سألت أكثر من شخص حتى دلوني على طريق ترابي طويل يقود إلى الأرض.
قال لي رجل مسن في محطة صغيرة
ما لك هناك يا ولدي؟ ما فيه إلا صخر وغبار.
لم أجب.
كنت قد سمعت هذه الجملة بشكل آخر طوال حياتي
ما فيك فائدة.
لا أحد يريدك.
لن تجد شيئًا.
لكنني تابعت الطريق.
سرت طويلًا،
والصندوق يثقل كتفي، والغبار يلتصق بحذائي وثيابي. وكلما زاد التعب، زاد داخلي عناد غريب. كنت أشعر أنني لا أقترب من كهف فقط بل من إجابة انتظرتها عمري كله.
ثم رأيته.
كوخ صغير قديم، خشبه متآكل، سقفه مائل، نوافذه مکسورة، وبابه كأنه لم يُفتح منذ سنوات. وخلفه، بين الصخور، كان مدخل الكهف.
فتحة سوداء في الجبل.
باردة.
صامتة.
كأنها عين تراقبني.
وقفت أمام المكان طويلًا. لم يكن جميلًا، ولا مريحًا، ولا يشبه الأحلام. لكنه كان أول مكان أصل إليه ولا يستطيع أحد أن يقول لي
اخرج، هذا ليس لك.
أخرجت المفتاح وقلت بصوت خاڤت
حسنًا يا جدي لنرَ ما الذي تركته لي.
اقتربت من باب الكوخ، أدخلت المفتاح في القفل، فقاومني في البداية، كأنه لم يصدق أن أحدًا عاد إليه. حاولت مرة، ثم ثانية، ثم دار أخيرًا بصوت خشن. دفعت الباب، فصړخ الخشب صړخة طويلة.
دخلت.
كان الغبار يملأ المكان. الضوء يدخل من فتحات صغيرة في الجدران والسقف. رأيت طاولة خشبية، كرسيًا قديمًا، سريرًا بسيطًا، ومدفأة حجرية فيها رماد منسي.
لم يكن المكان فاخرًا، لكنه كان يحمل أثر إنسان عاش هنا. شخص لم يكن مجرد اسم في ورقة.
في زاوية الكوخ وجدت صندوق أدوات قديمًا، وعلى رف منخفض بعض القوارير والعلب المعدنية. بدا المكان أقرب إلى ورشة صغيرة، كأن جدي لم يكن يعيش هنا فقط بل كان يعمل على شيء، أو يحرس شيئًا.
ثم لاحظت لوحًا خشبيًا في الطاولة غير ثابت.
رفعته بحذر.
ووجدت دفترًا قديمًا.
كان غلافه خشنًا، وأوراقه صفراء. فتحته، وفي الصفحة الأولى قرأت بخط واضح
إذا كنت تقرأ هذا يا سالم، فهذا يعني أن العالم فعل ما كنت أخشاه لكنني أثق أنك أقوى مما يظنون.
لم أعرف متى امتلأت عيناي بالدموع.
في دار الأيتام تعلمت أن البكاء ضعف، وأن الدموع قد